
العبادة وشؤون الحياة
استكمالاً للمحاضرة الثانية عشرة حول مراتب الذكر وشموليّة الإسلام، تتحدّث هذه المحاضرة عن ضرورة الجمع بين العبادة والتصدّي لشؤون الحياة الفرديّة والاجتماعيّة، فهي ليست للعاطلين المترهبنين، مبيّنة أنّ الرهبانيّة ـ وإن لم تكن محرّمة ـ لا تنسجم وشموليّة الإسلام، التي فسّرتها برؤية التوحيد والمشيئة الإلهيّة في مختلف مراحل الحياة ومظاهرها من النصر والهزيمة، معالجة المشكلة التي وقع فيها الخلفاء حين كانوا يتوقّعون من النبيّ النصر الدائم فلم يقبلوا هزائمه، في حين أنّ النبيّ نفسه، رغم امتلاكه القدرات لم يكن يراها من نفسه ولا يستعملها في غير مشيئة الله. وفي هذا السياق عالجت المحاضرة أيضًا شبهة ابتعاد العرفاء عن الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة مبيّنة أنّ العارف ليس من يقتصر على الذكر والعبادة ويترك الحياة بل هو أكثر الناس شعورًا بالمسؤوليّة ودقّة في تطبيق المشيئة الإلهيّة أثناء القيام بها، والذي لا يبالي بما تكون النتيجة بل بالقيام بالتكليف. وختمت المحاضرة بمعالجة مشكلة قلّة المبالاة بالعبادة وذلك بالتفكّر والتأمّل في مشكلات النفس وذهاب العمر الباعثين على الإحساس بالألم.
العبادة وشؤون الحياة
7العرفاء والحياة الاجتماعيّة والسياسيّة
ما يقال من أنّ العرفاء يعزلون أنفسهم عن المسائل الاجتماعيّة ومصالح المسلمين، ويذكرون الله منزوين هو تهمة، ومن يفعل ذلك فليس بعارف. من الذي قال إنّ العارف هو الذي يجلس في زاوية ويذكر الله ويجتنب مصالح المسلمين ومفاسدهم؟!
فبمجرّد أنّ يمضي بعض الناس باسم التصوّف والدراويش وأمثالهم في طريق الانعزال ويظهرون أنفسهم على أنّهم لا أباليين أمام القضايا، لا يكفي ذلك لاتّهام أهل العرفان. أنتم الذين تتّهمون العرفاء كم نزلتم إلى هذا الميدان وكم احترقت قلوبكم من أجل مصالح المسلمين ومفاسدهم وكم خصّصتم من رأسمالكم لخدمة الخلق؟! كلّ هذا الكلام هو بسبب عدم الاطّلاع وعدم الفهم الصحيح للمسائل العرفانيّة.
شدّة شعور العرفاء بالمسؤوليّة ودقّة تطبيقهم للمشيئة الإلهيّة
العارف هو من يشعر بالمسؤوليّة اتجاه خلق الله من أيّ اجتماعيّ وفقيه وسياسيّ، ويطبّق المشيئة والإرادة الإلهيّة في هذا العالم بالنحو الأتمّ والأكمل والدقيق وبدون أيّ تغيير، لا مَنْ إذا صادف ما يخالف أمنياته انهار ونادى بالويل والثبور، فهذا محض رغبات نفسيّة وما هو بالعرفان.
العارف هو من إذا انهزم بعد ثمانية عشر شهرًا من القتال ضدّ معاوية۱، يبقى ثابتًا وكأنّ شيئًا لم يكن ويقول: لقد قمنا بواجبنا. العارف هو من لا يقاتل معاوية لكي ينتصر عليه، لأنّه يراه واحدًا من مظاهر الله، ومنذ البداية يعلم أنّ مشيئة الله تعلّقت ببقائه. فلو سألوا: هل سننتصر يا عليّ في هذه المعركة؟ لقال لهم من البداية: لن ننتصر٢ ولكنّه يقول في الوقت نفسه للنّاس: سيروا وانطلقوا وقاتلوا وتخلّصوا منه.
أجل، العارف هو أمير المؤمنين عليه السلام الذي لا وجود لشيء آخر سوى الحقّ في عمله وفكره وسرّه وخاطره. أمّا الآخرون فليس لهم سوى ادّعاء هذا الإمام، والله يقول أيضًا: هذا ادّعاؤكم، ولكنّ مشيئتي وتقديري في تدبير العالم تدور حول محور آخر. يقول الله إنّ ملكيَّ جبرائیل وميكائیل يحملان أوامر خاصّة وليسوا مطيعين لكم. فما دامت المشيئة مشيأتي فكونوا صادقين مع الناس ولا تعدوهم كذبًا، وتقدّموا بهم في طريق الأهداف الحقيقيّة، ولا تبثّوا في المجتمع الكذب والشائعات والمجاز والتوقّعات التي هي في غير مواضعها!
- . إرشاد القلوب للديلمي، ج ٢، ص ٢٤۸.
- وطبعًا هو لا يخبر بذلك إلا أصحابه المقرّبين؛ لأنّه لو أخبر الجميع فلن يتحرّك أحد من مكانه. أمّا في معركة النهروان فإنّه يخبر من البداية أنّه يقتل منّا تسعة ويبقى منهم تسعة. (مناقب آل أبي طالب، ج٢، ص ٢٦٣)
