
العبادة وشؤون الحياة
استكمالاً للمحاضرة الثانية عشرة حول مراتب الذكر وشموليّة الإسلام، تتحدّث هذه المحاضرة عن ضرورة الجمع بين العبادة والتصدّي لشؤون الحياة الفرديّة والاجتماعيّة، فهي ليست للعاطلين المترهبنين، مبيّنة أنّ الرهبانيّة ـ وإن لم تكن محرّمة ـ لا تنسجم وشموليّة الإسلام، التي فسّرتها برؤية التوحيد والمشيئة الإلهيّة في مختلف مراحل الحياة ومظاهرها من النصر والهزيمة، معالجة المشكلة التي وقع فيها الخلفاء حين كانوا يتوقّعون من النبيّ النصر الدائم فلم يقبلوا هزائمه، في حين أنّ النبيّ نفسه، رغم امتلاكه القدرات لم يكن يراها من نفسه ولا يستعملها في غير مشيئة الله. وفي هذا السياق عالجت المحاضرة أيضًا شبهة ابتعاد العرفاء عن الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة مبيّنة أنّ العارف ليس من يقتصر على الذكر والعبادة ويترك الحياة بل هو أكثر الناس شعورًا بالمسؤوليّة ودقّة في تطبيق المشيئة الإلهيّة أثناء القيام بها، والذي لا يبالي بما تكون النتيجة بل بالقيام بالتكليف. وختمت المحاضرة بمعالجة مشكلة قلّة المبالاة بالعبادة وذلك بالتفكّر والتأمّل في مشكلات النفس وذهاب العمر الباعثين على الإحساس بالألم.
العبادة وشؤون الحياة
2أعوذ باللـه من الشيطان الرجيم
بسم اللـه الرحمن الرحيم
الحمد للـه ربّ العالمين
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ورسول ربّ العالمين
أبي القاسم المصطفى محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
لا تشغلني عن وردي
كان البحث حول هذه الفقرة المباركة من الحديث الذي تفضّل به الإمام الصادق عليه السلام لعنوان البصري:
"مَعَ ذلكَ لي أورادٌ في كُلِّ ساعَةٍ مِن آناءِ اللَيلِ والنَّهارِ، فَلا تَشغَلني عَن وِردي"
للإمامة جانبان: اشتغال بأمور الناس والمعاش واشتغال بالعبادة والذكر
وهذه الفقرة تلفت انتباهنا إلى أنّه إلى جانب موقعيّة الإمامة في العلاقة مع الناس والتبليغ والإرشاد وبيان الأحكام، وبشكل عام أمور المعاش الیوميّة، هناك أمر آخر هو الاشتغال بالنفس، لأنّ الإمام الصادق عليه السلام لم يكن إنسانًا عاطلاً عن العمل يجلس في البيت لا أكثر، ويذكر الله ويقرأ القرآن.
نعم هناك حالات يمرّ بها الإنسان لا يمكنه معها أن يقوم بغير العبادة والذكر، كالحالة التي كان عليها الإمام موسى بن جعفر في السجن، حيث لم يكن الإمام قادرًا على القيام بأيّ عمل، ولم يكن أحد على ارتباط معه.۱ لذلك عندما أمر هارونُ الفضلَ البرمكيّ بالتضييق على الإمام وتعذيبه أكثر، قال الفضل: نحن لا نرى منه عملاً سوى السجود والصلاة والذكر لنعذّبه أكثر٢، ولكن عندما كان موسى بن جعفر خارج السجن، كان الناس يتردّدون عليه، ويطرحون عليه أسئلتهم، وكان الإمام يجيب على رسائلهم، فالإمام ليس إنسانًا عاطلاً ليجلس في المنزل ويشتغل بالذكر والورد.
الذكر ليس للعاطلين
يجب الالتفات إلى أنّ الذكر والورد وتهذيب النفس والعمل بالبرامج والتهجّد وقيام الليل وقراءة القرآن خلال النهار والنوافل وأمثال ذلك، والتي أكّد عليها الأئمة، وأمر بها الأعاظم ليست للعاطلين عن العمل، بل هي للذين هم كسائر الناس في ارتباطهم بمسائل الدنيا والأعمال اليوميّة.
ومقام الجامعيّة والشمول٣ الذي جعله الله في شريعة النبيّ الأكرم هو عبارة عن الحركة نحو الكمالات الإنسانيّة مع الالتفات إلى رعاية كافّة القوانين والأعمال الظاهريّة في العلاقة مع الزوجة والأبناء، والأقارب والأرحام، والرفيق والشريك والجار، وسائر الجوانب التي لا بدّ للإنسان منها في هذه الدنيا.
- نعم كون نفسه القدسيّة والملكوتيّة مشغولة بتدبير العالم هو أمر في مكانه، ولكن من حيث الاشتغال الظاهري كان الإمام في زنزانة انفراديّة ولم يكن له ارتباط مع الناس.
- الإرشاد، ج ٢، ص ٢٤۰.
- تفسير بيان السّعادة، ج ٤، ص ٩٩:
« إنّ محمّدًا صلّى اللهُ عليهِ و آلِهِ و سَلَّمَ قالَ:" إنَّ أخى موسى عليهِ السّلامُ كانَ عَينُهُ اليُمنى عَمياءً و إنَّ أخى عيسى عليهِ السّلامُ كانَ عَينُهُ اليُسرى عَمياءً و أنا ذو العَينَينِ."»
