
معاني الذكر ومراتبه
تبيّن هذه المحاضرة أنّ للذكر والاشتغال به بدلاً من الدنيا أربعة معان أو مراتب: الأول: الاعتزال والرهبانيّة والتفرّغ للذكر وهو يتنافى مع شموليّة الإسلام. الثاني: تقسيم الوقت بين العمل والعبادة، وهو داني المستوى ويستبعد عن كلام الإمام. المعنى الثالث: ملاحظة رضا الله أثناء العمل. الرابع: امتلاك ملكة الرؤية التوحيديّة ورؤية الله في البائع والمشتري وفي كلّ شيء. ثمّ ختمت المحاضرة بمواعظ وأحاديث حول كيفيّة التعامل مع الدنيا والعمل فيها. كما بيّنت في الأثناء ضرورة تحقيق الأمن السياسيّ والاقتصادي والأخلاقيّ في المجتمع الإسلاميّ لتحقيق التكامل متعرّضة إلى فريضة الحجاب ودورها في تحقيق الأمن الأخلاقي، مناقشة المذهبين الديموقراطي والليبرالي.
معاني الذكر ومراتبه
2أعوذ باللـه من الشيطان الرجيم
بسم اللـه الرحمن الرحيم
الحمد للـه ربّ العالمين
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
ورسول ربّ العالمين
أبي القاسم المصطفى محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
لا تشغلني عن وردي!
قال الإمام الصادق عليه السلام في هذا الحديث لعنوان البصريّ:
"مَعَ ذلكَ لي أورادٌ في كُلِّ ساعَةٍ مِن آناءِ اللَيلِ والنَّهارِ، فَلا تَشغَلني عَن وِردي"
وقد تقدّم أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال في خطبة له حول الآية الشريفة: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة}۱: وإنَّ لِلذِّكرِ لَأهلًا أخذوهُ مِنَ الدّنيا بَدَلًا، فَلَم تَشغَلهُم تِجارَةٌ و لا بَيعٌ عَنهُ.٢
معاني ومراتب الذكر وعدم الانشغال عنه بالدنيا
يمكن أن نتصوّر تباعًا كيف يمكن للإنسان أن ينشغل بالذكر بدلاً من الدنيا ضمن عدّة معان:
المعنى الأول: الاعتزال والرهبانيّة والتفرّغ للذكر
فالمعنى الأول هي أنّ المراد من الدنيا هو الاشتغال بالكسب والتجارة والانشغال بالمسائل الدنيويّة والماديّة؛ بمعنى أنّ أهل الذكر هم جماعة كالرهبان الذين هم في الأديرة والكنائس، همّهم الذكر، وليس لهم أيّ اهتمام بالمسائل الدنيويّة، فهذه الجماعة بدلاً من أن تمضي نحو الاكتساب تجلس في المنزل وتذكر الله، وبدلاً من أن تتزوّج تشتغل دائمًا بالعبادة متّخذة مسلك الرهبانية.
محاكمة المعنى الأول: منافٍ لشموليّة الإسلام
وهذا الطريق ليس ممدوحًا في الإسلام، لأنّه يتنافى مع شموليّة الإسلام، فالإسلام دين متكفّل بالسعادة الدنيويّة والأخرويّة للناس، وكون هذه المرتبة من الذكر ممدوحة سيتعارض مع الهدف الغائي للإسلام.
فالإسلام دين قد اهتمّ بالمسائل العباديّة وبالمسائل السیاسيّة للإنسان، وبعبارة أخرى الإسلام دين الكمال وليس فيه عبادة وسياسة، فنحن أصحاب تلك المقولة: "ديانتنا عين سياستنا، وسياستنا عين ديانتنا." أجل، فلو أردنا أن نفسّر كلام المرحوم المدرّس بأنّ مراده منه أنّ الإسلام دين الكمال وفي هذا الكمال يوجد كلّ شيء، فعندها يمكن أن نجد معنى صحيحًا لهذه الجملة.
كمال الإسلام هو بوجود جميع الظروف التي تبلغ كافّةُ الاستعدادات في ظلها إلى الكمال.
حاجة الإنسان إلى الأمن السياسيّ والاقتصادي والأخلاقيّ للوصول إلى الكمال
لا شكّ أنّ الإنسان يحتاج إلى الأمن لكي يصل إلى هدفه الغائيّ الكماليّ، فلو لم يكن في المدينة التي يعيش فيها السالك أمان فكيف يمكنه أن يعبد ويطوي الطريق إلى الله؟! ما دام يمكن أن يطرق اللصّ بابه وليس هناك من يمنعه، فكيف يمكنه أن يستيقظ في الليل من نومه ويصلّي صلاة الليل٣؟! فالأمان مفقود في المدينة التي يكون المسؤولون متواطئین فيها مع اللصوص، يقتلون إنسانًا وليس هناك من يحاكِم، يُغار على المنازل وليس هناك من يسأل، يؤذي الجار جاره وليس هناك من يمنع. جاء في رواية عن الإمام الباقر عليه السلام: قال أبو جعفر عليه السلام : "إنّ سمُرة بن جندب كان له عذق٤ في حائط٥ رجل من الأنصار، وكان منزل الأنصاريّ فيه الطريق إلى الحائط، فكان يأتيه فيدخل عليه ولا يستأذن، فقال: إنّك تجيء وتدخل ونحن في حال نكرَه أن ترانا عليه، فإذا جئت فاستأذن حتّى نتحرّز، ثمّ نأذن لك وتدخل، قال: لا أفعل هو مالي أدخل عليه ولا أستأذن٦، فأتى الأنصاريُّ رسولَ الله صلّى الله عليه وآله فشكى إليه وأخبره، فبعث إلى سمرة فجاءه ، فقال له: استأذن عليه، فأبى وقال له مثل ما قال للأنصاري، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وآله أن يشتري منه بالثمن، فأبى عليه وجعل يزيده فيأبى أن يبيع، فلما رأى ذلك رسول الله صلّى الله عليه وآله قال له: لك عذق في الجنة، فأبى أن يقبل ذلك فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله الأنصاري أن يقلع النخلة فيلقيها إليه، وقال: لا ضرر ولا إضرار " .۷و۸
- سورة النور (٢٤)، الآية ٣۷.
- نهج البلاغة (عبده) ج٢، ص ٢۱۱.
- في كثير من دول الخارج، الذين يعملون في المؤسّسات السريّة والعلنيّة متواطئون مع المسؤولين، فهؤلاء على مستوى رفيع وأولائك على مستوى أدنى.
- نخلة. (م)
- بستان.(م)
- لأجل حلّ المشكلة على الإنسان أن يضع نفسه بدلاً من الآخرين ويفكّر بأنّي لو كنت مكانه وكان مكاني فماذا كنت أصنع؟ عندها ستحلّ ثمانون بالمائة من المشاكل وما بقي يمكن حلّه أيضًا بالتشاور وأمثاله.
لو أنّ سمرة كان يضع نفسه بدلاً من الرجل الأنصاريّ الذي كانت زوجته بغير حجاب لما قال: هي نخلتي ولا أريد أن أستأذن. ولذلك فهو بقوله لا أريد يجعل نفسه محكومًا في الحكومة الإسلاميّة.
عندما يكون النبيّ الأكرم هو حاكم الإسلام فلا يمكن الكذب لأنّ النبيّ حقّ والحقّ لا يقبل الكذب. - من لا يحضره الفقيه، ج ٣، ص ٢٣٣.
- والآن هل من الصحيح ومن القانون الإسلاميّ أن يبني إنسان ـ وبإجازة من السلطة المحليّة ـ مبنى يبلغ عشر طبقات وكلّ نوافذه مشرفة على منزل إنسان آخر، فلو كان النبيّ بدلاً من مسؤول تلك السلطة المحليّة فهل كان يسمح بأن يبني إنسان مبنى كافّة نوافذه مفتوحة على بيوت الناس؟!
