
النظرة الآليّة والجمع بين الذكر والحياة
بعد أن تبيّن في المحاضرات السابقة أنّ حقيقة الحياة الدنيا هي بُعدها الباطن وارتباطها بالله، وأنّ الذكر هو النظر إلى هذا البعد، تطرح هذه المحاضرة آليّة الجمع بين الخوض في الحياة الدنيا وبين الحفاظ على ذكر الله وعدم الانشغال عنه، وذلك من خلال النظرة الآليّة إلى مظاهر الحياة، وقد تعرّضت إلى مظهر من أهمّ تلك المظاهر، وهو الحكم والسياسة، متّخذة من تاريخ الخلفاء في التعاطي معه ومع الأئمة عليهم السلام أنموذجًا للنظرة الاستقلاليّة التي تجيز الكذب والاتّهام والتهديد والإلغاء للوصول إلى الحكم والبقاء فيه. كما تعرّضت إلى ضرورة تعميم النظرة الآليّة إلى مختلف مظاهر الحياة من الزوجة والأولاد والعمل، وإلى طريقة تحقيقها مشيرة إلى الشعور بالرقابة الإلهيّة وفريضة الحجّ ومشهد الموت والقبر.
النظرة الآليّة والجمع بين الذكر والحياة
9ونظرتنا إلى أمور الدنيا الأخرى كالزوجة والأولاد والسيّارة والمنزل والمال والمكانة وقس على ذلك هي نظرة استقلاليّة. في حين أنّ علينا أن ننظر إلى كلّ أمور الدنيا على أنّها واسطة، ونعلم من نحن وأين نعيش؟ لكلّ إنسان في هذه الدنيا نصيب فعليه أن يقوم بواجبه فيها وأن لا يتخطّاه قيد أنملة، وبعد هذا النصيب عليه أن يغادرها في يوم من الأيّام.
إنّ قول أمير المؤمنين عليه السلام: أيّها الناس إنّما الدنيا دار مجاز والآخرة دار قرار فخذوا من ممرّكم لمقرّكم.۱ يعني: يا أيّها الإنسان إنّ الله قد جعل لكلّ فرد من أفراد البشر نصيبًا يتناسب واستعداد كلّ منهم وظروفه للوصول إلى الكمال؛ لئن قصّرت في عالم الدنيا، فلا تتوقعنّ منّي تلك الكمالات في الآخرة، وأمّا إن لم تقصّر في هذه الدنيا وبحثت عن الحقيقة وانتهى نصيبك من الدنيا، فسنتيح لك فرصة في عالم البرزخ.
يقول الله: فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.٢ فعندما يأتي أجل الإنسان، فلا تأخير له ولا تقديم ولا يمهلون حتّى ثانية واحدة، ولا فرق في هذا الأمر بين الكافر والمسلم والشيعي والسالك وحتّى النبيّ.٣
ينظر عزرائيل إلى هذا السجلّ ويقول: "لو أنّ الله كلّفني اليوم بقبض روح إنسان واحد أو بقبض مائة مليون فهو بالنسبة إليّ يحتاج إلى المقدار نفسه من الجهد؛ فعندي من الجنود والعمّال بحيث لو ازداد المائة مليون أيضًا بعدد أفراد الكرة الأرضيّة فلا يؤدّي ذلك إلى إتعابي."
بالنظرتين الآليّة والاستقلاليّة يتمّ الجمع بين كلام أمير المؤمنين في ذمّ الدنيا وفي الحثّ على العمل فيها
ممّا تقدّم يصبح من المقبول جدًّا الجمع بين كلمات أمير المؤمنين عليه السلام حيث ينهى الناس من جهة في العديد من الموارد عن الدنيا والغوص فيها، ومن جهة أخرى يقول: أيّها الناس اغتنموا هذا العمر، ولا تقضوه بالبطالة وتزوّدوا منه، فلو مضت منه لحظة فلن تعود! ويمكنكم في يوم واحد من أيّام الدنيا أن تحصّلوا سعادتكم، ويمكن في لحظة منه أن تغرسوا لأنفسكم شجرة في الجنّة.٤ فالمراد من النهي عن الدنيا هو عدم امتلاك النظرة الاستقلاليّة وعدم الاهتمام بالدنيا واعتبارها، والمراد من الأمر بالتزوّد من الدنيا هو امتلاك النظرة الآليّة.
- نهج البلاغة (عبده) ج ٢، ص ١٨٣.
- سورة الأعراف (۷)، الآية ٣٤.
- بالطبع هناك استثناءات هي جزء من ذلك الأجل، فمثلاً بعضهم يتوسّل بالمعصومين عليهم السلام وينال شفاعتهم فيزداد عمرهم.
عندما يضع الجاهلون قانونًا فإنّهم يلتفتون إلى اشتباهاتهم ويضعون استثناءات، ولكن هنا الاستثناء هو جزء من القانون وليس منفصلاً عنه. فعندما عيّن الله تعالى قانون أجلنا جعل الاستثناء معه. فمثلاً يموت زيد في سنّ الخامسة والأربعين وستة أشهر وبواسطة الشفاعة والدعاء يعيش ثلاث سنوات أخرى ثمّ يفارق الدنيا، كلّ ذلك قد كتب منذ البداية في السجلاًت المكتوبة والمحفوظة. - كان المرحوم الوالد يقول: كان أخونا المتوفي المرحوم الحاج هادي الأبهري مريضاً، و كنّا نسعى كثيرا لمعالجته و مداواته، فقال لأحد رفقائنا يوماً: انني سأرحل، وهذا السيد محمّد حسين يعلم أيضاً انّني سأرحل، لكنّه يسعى بهذه الجهود كي يمكنني قول كلمة «لا اله الّا الله» واحدة أكثر.*
(*) معرفة المعاد، ج۱، ص ۱۰٥.
