
النظرة الآليّة والجمع بين الذكر والحياة
بعد أن تبيّن في المحاضرات السابقة أنّ حقيقة الحياة الدنيا هي بُعدها الباطن وارتباطها بالله، وأنّ الذكر هو النظر إلى هذا البعد، تطرح هذه المحاضرة آليّة الجمع بين الخوض في الحياة الدنيا وبين الحفاظ على ذكر الله وعدم الانشغال عنه، وذلك من خلال النظرة الآليّة إلى مظاهر الحياة، وقد تعرّضت إلى مظهر من أهمّ تلك المظاهر، وهو الحكم والسياسة، متّخذة من تاريخ الخلفاء في التعاطي معه ومع الأئمة عليهم السلام أنموذجًا للنظرة الاستقلاليّة التي تجيز الكذب والاتّهام والتهديد والإلغاء للوصول إلى الحكم والبقاء فيه. كما تعرّضت إلى ضرورة تعميم النظرة الآليّة إلى مختلف مظاهر الحياة من الزوجة والأولاد والعمل، وإلى طريقة تحقيقها مشيرة إلى الشعور بالرقابة الإلهيّة وفريضة الحجّ ومشهد الموت والقبر.
النظرة الآليّة والجمع بين الذكر والحياة
5من معالم سياسة النفاق: عدم الوفاء بالوعود
الأحزاب السياسيّة في الخارج عندما تريد أن توصل أحدًا إلى الحكومة فإنّها تقوم بجمع الناس من هنا وهناك بالدعاية وبالوعود الكاذبة التي لا تفي حتّى بواحد منها، وبتشكيل احتفالات الرقص والموسيقى، ولا تكتفي بذلك، بل تخرج عيوب خصمها من السجلاّت وتقول إنّ ذلك الخصم تكلّم قبل خمسة عشر عامًا بهذا الكلام وقام بهذا العمل، في حين أنّه لو مضى على قضيّة ما شهر واحد فلا يمكن للإنسان أن يحاكم غيره بها بهذا الشكل؛ أضف إلى ذلك أنّه عيب لا اطّلاع لأحد عليه.
فإن لم يتمكّنوا بهذا العمل من الوصول إلى أيّة فائدة فإنّهم يشرعون بالتهمة، ويستخرجون من خلال كلماته نقاط الضعف، ويكبّرونها ويقدّمون للنّاس الأمور التي حتّى لم ينوها ولم يفكّر بها.
كلّ هذه الجهود هي لكي يصبح إنسان ما رئیسًا للجمهوريّة ويشبع نفسه بذلك، في حين أنّه لم يصل إلى شيء.
هذه النظرة إلى الحكومة والسلطة هي نظرة استقلاليّة، حيث يظنّ الإنسان أنّ كامل القضيّة هي في هذا المسند والرئاسة، ولا يرى وراء هذه الحكومة أيّة حقيقة أو قيمة لكي يعدّل بواسطتها سلوكه في الانتخابات.
لقد كانت نظرة عمر وأبي بكر ومعاوية هذه النظرة الاستقلاليّة، لقد صالح معاوية الإمام الحسن عليه السلام ولكن ليته حارب الإمام الحسن برجولة بقصد الانتصار كما جمع جيش الشام وحارب أمير المؤمنين، لكنّه يسمّى خائنًا لأنّه صالح الإمام الحسن ثمّ جعل وثيقة الصلح تحت قدميه وقال: "إنّي والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتحجّوا، إنّكم لتفعلون ذلك، ولكنّي قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون.
ألا وإنّي كنت منّيت الحسن وأعطيته أشياء وجميعها تحت قدميّ لا أفي بشيء منها قطّ."۱
في هذه النظرة الاستقلاليّة تدور الحقيقة مدار الدنيا فحسب.
معاوية والإمام الحسن في سلوكنا في كلّ زمان
علينا أن لا نقول إنّ هذه المسائل کانت لمعاوية، فكلّ واحد منّا في كلّ عمل نقوم به، إمّا في جيش الإمام الحسن وإمّا في جيش معاوية. فمن باب المثال عندما تتحدّث مع أحد في الشارع فانظر أنّك في تلك الحالة من جيش معاوية أم جيش الإمام الحسن؟ عندما تتعامل في البيت مع عيالك وأبنائک فانظر هل أنت من جيش معاوية أم من جيش الإمام الحسن؟ وعندما تكون في محلّ عملك وتتعامل مع الذين يتردّدون أو عندما يكون لك لقاء مع أحد فانظر أنّك من أيّ الجيشين؟ ولو كان الإمام المجتبى عليه السلام في تلك المواقع فماذا كان يصنع وبماذا يأمرك؟
- الإرشاد، ج٢، ص ۱٤.
