
معنى الورد والذكر ودوره في إخراج الإنسان من عالم الكثرة إلى الوحدة
توضّح هذه المحاضرة المعنى اللغويّ للذكر والورد وارتباطه بالمعنى الاصطلاحي، وتدرس دوره في نقل الإنسان من عالم الكثرة إلى عالم التوحيد بعد بيان خصائص كلّ من العالمين. وتتعرّض أثناء ذلك إلى أهميّة خدمة الخلق والرفق بهم، وأهميّة التعقّل وعدم التعلّق بالشخصيّات، مستحضرة شواهد من الواقع والتاريخ لكلا الأمرين؛ كأسلوب تعاطي الممرّضات المسيحيّات مع المرضى، وكتعلّق الناس بشخصيّات أمثال طلحة والزبير وعائشة وزوجة النبيّ موسى عليه السلام، وشخصيّتي هتلر وماو الزعيم الصينيّ السابق.
معنى الورد والذكر ودوره في إخراج الإنسان من عالم الكثرة إلى الوحدة
4ومن كان قد عمل ولم يحصل على شيء كان يأتي ويفرغ يديه أمام السفرة ويقول: أنا اليوم لم أحصل على شيء. فكان مولانا يقول: "لا مشكلة أفهل كان من تقصيرك ؟!" ثمّ كان يأخذ مِن كَسْبِ مَن عمِلَ ويعطي هذا الذي لم يحصل على شيء رغم عمله. والخلاصة أنّ مولانا كان يقسّم على هذا المنوال، وفي النهاية كانوا يجمعون السفرة ويعودون إلى منازلهم.
التوحيد هو في خدمة الخلق
هذا هو التوحيد، لذلك عندما نجد رواية أنّ المؤمن في زمان ظهور حضرة بقيّة الله ـ أرواحنا فداه وعجّل الله فرجه الشريف ـ يمدّ يده في جيب أخيه المؤمن ويأخذ ما يريد۱، فلا نتعجّب. لماذا؟ لأنّ الإمام يحقّق التوحيد في المجتمع، ويطبّق تلك الحقائق التوحيديّة. بناء على ذلك فنحن نخطئ في عملنا، والإمام يقوم بما هو حقّ وصواب، وهذه قضيّة توحيديّة في مسألة خدمة الخلق.
كلّ الناس في عالم التوحيد سواء بالنسبة إلى الحقّ سبحانه وتعالى. وارتباط العالم والعاميّ والجاهل والأميّ والطبيب والمهندس والبقّال والتاجر والمزارع وغيرهم بذات الحقّ متساوٍ، وعلاقتهم بالله حسب اصطلاح أهل المنطق هي على نحو التواطؤ لا التشكيك.٢ وبعبارة أخرى فإنّ العلاقة التي بين الله والنبيّ هي بعينها بينه وبين أيّ إنسان آخر. رغم أنّ النبيّ الأكرم بطيّه للمراتب حصل على توفيق الاستفادة القصوى، ولكن من ناحية العلّة فإنّ الارتباط متواطٍ ومتساوٍ ولا يوجد أيّ اختلاف.
بناء على ذلك، فإنّ خدمة الناس وقضاء حوائجهم هي إحدى صفات الله، وإفاضة الله تعالى في عالم الخلق هي إفاضة عامّة لجميع الخلائق، والله تعالى لا يميّز بين الأفراد؛ وذلك لأنّه ليس هناك امتياز في عالم التوحيد، ولا اختلاف إلا بحسب المرتبة التي ارتقى إليها الإنسان واستطاع أن يستفيد أكثر.٣ أمّا في عالم الكثرة فهناك اختلاف، فالناس يقولون: لأنّ فلانًا رفيقي فإنّي أساعده، وبيني وبينه زيارات، أما الآخر فلأنّه ليس رفيقي فلا أزروه ولا أعتني به، ولا أقوم بقضاء حوائجه.
الممرّضات المسيحيّات المتفانيات في خدمة المريض هنّ مع أمير المؤمنين عليه السلام
قبل مدّة كان لي لقاء مع أحد الأصدقاء الأعزّاء وهو الدكتور سجّادي، فكان ينقل لي قصّة جذّابة للغاية:
- مطلع انوار، ج ٤، ص ٣٦٠. الاختصاص (مفيد) ص ٢٤:
« ... إذا قامَ القائمُ جائتِ المزايَلَةُ و يأتى الرّجُلُ إلى كيسِ أخيهِ فيَأخذُ حاجتَهُ لا يمنَعُهُ.» (المحقق) - المتواطئ: هو أن يكون المعنى الواحد صادقًا على كثيرين بالسويّة، من غير أن يكون وجود ذلك المعنى في بعض أفراده أولى من وجوده في البعض الآخر ولا أقدم ولا أشدّ. كالإنسان فإنّه موجود في الجاهل والعالم وجميع أفراد الإنسان بالسويّة.
المشكّك: هو أن يكون وجود بعض أفراد المفهوم أولى أو أقدم أو أشدّ في ذلك المشترك من البعض الآخر كدلالة وصدق مفهوم الوجود والنور على مصاديقهما. (راجع: العلامة الحلّي، الجوهر النضيد، ص ٢۷ ـ ٢۸). - سوره حجرات (٤٩) آيه ١٣: (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)
- مطلع انوار، ج ٤، ص ٣٦٠. الاختصاص (مفيد) ص ٢٤:
