
اختلاف سُبل الهداية ناتج عن الاختلاف في الشاكلة
في بداية هذه المحاضرة التي ألقيت في 10جمادى الثاني لعام1419هـ، تعرّض سماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره تعالى، لبحث مسألة مهمّة ترتبط بالسير والسلوك؛ وهي أنّ لكلّ شخص (بحسب خصوصيّاته وشاكلته) طريقه الخاصّ نحو خالقه ومبدئه، وقد فرّع سماحته عن هذا البحث مجموعة من الأبحاث الهامّة الأخرى؛ من قبيل: كيف تُؤثّر الظروف المختلفة على فهم الإنسان وإدراكه للأمور؟ هل يتأثّر وليّ الله بدوره بمثل هذه الظروف؟ كيف يتسنّى لوليّ الله الجمع بين مقامي الظاهر والباطن وتنفيذ المشيئة الإلهيّة من دون التأثّر بأيّ أمر آخر؟ وفي نهاية المطاف، بيّن سماحته سبب عدم تعرّض العلاّمة رضوان الله عليه لمسألة الوصاية من بعده مستفيداً ذلك من قصّة رزيّة يوم الخميس.
اختلاف سُبل الهداية ناتج عن الاختلاف في الشاكلة
6(ترجمته: إنّ العالم هو عبارة عن جديلة وخطّ وخال وحاجب، فكلّ شيء يكون جميلاً في محلِّه).
فالقضيّة هنا تشبه قصة أولئك الأشخاص الذين قيل لهم تعالوا شاهدوا ذلك الفيل الذي جُلِبَ من الهند؛ وبما أنّهم ذهبوا لرؤية الفيل في ظلمة الليل، فقد تلمَّس أحدهم خرطوم الفيل، وقال بأنَّ الفيل يشبه الميزاب، ولمس الآخر رجل الفيل، فقال بأنَّ الفيل يشبه العمود، ولمس آخر أذن الفيل، فقال بأنَّ الفيل يشبه المروحة، ولمس آخر ظهر الفيل، فقال بأنَّ الفيل يشبه السرير؛ بينما كانت تلك هي أعضاء الفيل، لا الفيل نفسه؛ فكلّ منهم قدَّم وصفًا ناقصًا عن الفيل، وقد ذكر مولانا هذه الحكاية في كتاب المثنوي.۱ و٢
بناءً عليه، فإنَّ العظماء والأولياء يتعاملون مع الناس بشكل عامّ (وتلامذتهم بشكل خاصّ) وفقًا لطبيعة علاقتهم بخالقهم، لا على أساس الشكل والطول والوزن والعمل والسلوك؛ فأوّل نظرة لهم تكون إلى نفس وروح هؤلاء الأشخاص، كما تعمل الأشعّة التي تدخل الجسم وتخترقه.
فإذا ما أُريد تصوير المعدة بالأشعّة مثلاً، فيمكن عندها رؤية كل شيء عن طريق اختراق الأشعّة للمعدة، فتكشف الصورة الشعاعيّة عن وجود قُرحة أو مرض ما في المعدة؛ بينما لا نرى نحن أيّة علامة لوجود المرض عندما ننظر إلى الجسم بأعيننا، بل نستحسنه ونقول: أنعم به وأكرم! كم جسمه سليم، فلا داعي للقلق والغمّ, ولا أثر لأيّ شيء! وأمّا ما الذي يجري داخل الجسم، فلا علم لنا بذلك؛ لأنَّ الاطّلاع على ذلك المرض يستلزم التوفّر على أجهزة خاصّة وناظور وأداة للنفوذ إلى الداخل، ونحن لا نمتلك هذه الأداة، بل يمتلكها وليّ الله؛ فهو الذي يستطيع بتلك الأداة التي وهبها الله له أن ينفذ إلى داخل النفس ويرى الباطن ويقوم بتشخيص المرض، وهو الذي يستطيع رؤية زوايا النفس المختلفة واحدةً واحدةً؛ ثمّ يقوم بإعطاء العلاج المناسب لذلك المرض، ويقول: هذه وصفة علاجك.
فهل يمكننا والحال هذه أن نصف هذا العلاج الذي كتبه لنا الطبيب إلى مريض آخر؟ من البديهي جدًا أن يكون الجواب بالنفي، وكذا يكون الأمر فيما إذا قمنا بإعطاء دواء المعدة الموصوف لشخص مريض إلى شخص سليم، حيث سيؤدِّي ذلك إلى أن تمرض معدته؛ فلا بدَّ لكلّ شخص من أن ينشغل بنفسه من أجل رفع نقائصه والوصول إلى مقام الفعليّة التامة، ولا شأن له بالآخرين.
- المثنوي المعنوي، الكتاب الثالث.
- لمزيد من الاطّلاع عن الدقائق الموجودة في هذه الحكاية، راجع: تفسير آيه نور، ص ۱٥٣.
