
اختلاف سُبل الهداية ناتج عن الاختلاف في الشاكلة
في بداية هذه المحاضرة التي ألقيت في 10جمادى الثاني لعام1419هـ، تعرّض سماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره تعالى، لبحث مسألة مهمّة ترتبط بالسير والسلوك؛ وهي أنّ لكلّ شخص (بحسب خصوصيّاته وشاكلته) طريقه الخاصّ نحو خالقه ومبدئه، وقد فرّع سماحته عن هذا البحث مجموعة من الأبحاث الهامّة الأخرى؛ من قبيل: كيف تُؤثّر الظروف المختلفة على فهم الإنسان وإدراكه للأمور؟ هل يتأثّر وليّ الله بدوره بمثل هذه الظروف؟ كيف يتسنّى لوليّ الله الجمع بين مقامي الظاهر والباطن وتنفيذ المشيئة الإلهيّة من دون التأثّر بأيّ أمر آخر؟ وفي نهاية المطاف، بيّن سماحته سبب عدم تعرّض العلاّمة رضوان الله عليه لمسألة الوصاية من بعده مستفيداً ذلك من قصّة رزيّة يوم الخميس.
اختلاف سُبل الهداية ناتج عن الاختلاف في الشاكلة
5و الشاهد على ذلك هو أنَّه وبعد مضي مائة سنة من عمرنا، نأتي الآن لنقول: يا للعجب! ما الخطأ الذي ارتكبته، فلقد كنت أظنَّك هكذا؛ فيجب أن يُقال لهكذا شخص: بأنَّ ظنُّك هو الذي لم يكن في محلِّه، ولم يكن لك أن ترتجي منه ذلك.
ولهذا، يُشاهد في الكثير من الأحيان بأنَّ الإنسان يلتفت فجأةً وبعد مرور سنوات وطيّ مراحل من العمر إلى ظهور أخطاءٍ وأمور من صديقه لم يكن ليتوقّعها منه؛ والسبب في ذلك يعود إلى أنَّه لم يكن خلال هذه المدّة المديدة مطَّلعًا على خصائصه، وأنَّ تقييمه له كان مبنيًّا على الحدس والظَّن؛ ففي هذه الحالة، ما إن يُشاهد منه أمرًا على خلاف توقّعه، فإنّه لا يستطيع تحمّل ذلك منه.
وأمّا بالنسبة لأولياء الله، فإنَّهم ومن النظرة الأولى التي يُلقونها على شخص معيّن، تظهر أمام أعينهم جميع خصائصه، ومن يكون ذلك الشخص، وما هو المحور الذي تدور حوله نفسه، وما هي نقاط الضعف والقوّة في شخصيّته، وما هي قابليّاته.
فتلك أمور لا يمكن الإحاطة بها بألف سنة من التحليل والطبّ النفسي؛ لأنّ ذلك خارج عن حيطتها؛ نعم، نستطيع معرفة بعض الآثار من تلك الخصائص في حالة بروزها إلى السطح؛ فعلى سبيل المثال: نقول عن الشخص السخيّ جدًّا بأنَّ لديه صفة الجود والكرم، في الوقت الذي تراه يُحجم عن فعل ذلك في بعض الأحيان؛ فلو كان جوادًا وكريمًا، فلماذا لم يُنفق في هذا الظرف؟!
إنَّ موضوع النفس يشبه عمل البرامج التي يتم إعدادها لأجهزة الحواسيب، فيتركوا نقاط خالية يتوقف الجهاز كليًّا عند الوصول إليها؛ فلو كان لشخص ما إشراف على النفس، فإنَّه سيتمكن من رؤية كلّ شيء بما في ذلك تلك النقطة الخالية، والنقطة التي تقع في مقابلها؛ أمّا إذا لم يستطع الإنسان رؤية تلك النقاط الخالية، فإنَّه سيوسِّع دائرة الموضوع ليشمل كلّ مكان، ليحصل الخلل فجأةً، وتعمّ الفوضى.
ولهذا، يُقال بأنَّه من اللازم على الإنسان ألاّ يتسرّع في الحكم على الناس.. لماذا؟ لأنَّ:
جهان چون زلف وخط وخال وابروست *** که هر چيزی به جای خويش نيکوست۱ - گلشن راز (حديقة الأسرار)، الشيخ محمود الشبستري.
