
اختلاف سُبل الهداية ناتج عن الاختلاف في الشاكلة
في بداية هذه المحاضرة التي ألقيت في 10جمادى الثاني لعام1419هـ، تعرّض سماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره تعالى، لبحث مسألة مهمّة ترتبط بالسير والسلوك؛ وهي أنّ لكلّ شخص (بحسب خصوصيّاته وشاكلته) طريقه الخاصّ نحو خالقه ومبدئه، وقد فرّع سماحته عن هذا البحث مجموعة من الأبحاث الهامّة الأخرى؛ من قبيل: كيف تُؤثّر الظروف المختلفة على فهم الإنسان وإدراكه للأمور؟ هل يتأثّر وليّ الله بدوره بمثل هذه الظروف؟ كيف يتسنّى لوليّ الله الجمع بين مقامي الظاهر والباطن وتنفيذ المشيئة الإلهيّة من دون التأثّر بأيّ أمر آخر؟ وفي نهاية المطاف، بيّن سماحته سبب عدم تعرّض العلاّمة رضوان الله عليه لمسألة الوصاية من بعده مستفيداً ذلك من قصّة رزيّة يوم الخميس.
اختلاف سُبل الهداية ناتج عن الاختلاف في الشاكلة
15بيان سبب عدم وصاية العلاّمة رضوان الله عليه من خلال قصّة رزيّة الخميس
وخلاصة القول، فقد رحل المرحوم العلاّمة عن الدنيا ولم يترك لورثته شيئًا، ولا يخفى أنَّ المُراد ليس هي الأموال؛ إذ لم يكن يمتلك شيئًا، بل المقصود هو أنّه لم يترك مقامًا أو وصيّةً أو أيّ حساب وكتاب لفترة ما بعد حياته؛ أي أنّ كلّ شخص يجب أن يعرف الواجب الملقى على عاتقه، فقد بيَّنت ـ بمقتضى واجبي ـ الأمور إلى هذا الحدّ، وعملت بموجب تكليفي ورحلت؛ فمن الآن وصاعدًا يتوجّب على كلّ شخص أن يعلم بنفسه أيّ طريق يسلك وأيّه يترك.
فهذه الرؤية هي عين التوحيد، وهذا هو طريق ومنهج الشخص الموحِّد؛ فآية {قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى}۱ تتعلّق بالنبيّ وذوي القربى الذين هم الأئمّة عليهم السلام؛ ولهذا فهو [أي المرحوم العلاّمة] لم يُصرِّح ولم يوصِ بشيء فيما يخصّ الفترة التي تعقب ارتحاله.
وهنا، أرى من اللازم بيان مسألة كنت شاهدًا عليها لوحدي، ولم يكن هنالك شخص آخر غيري وهي أنّ:
المرحوم العلاّمة كان يرقد في المستشفى ليلة وفاته، ولم ينم في تلك الليلة حتّى الصباح بسبب المرض الذي ألمّ بقلبه، وعند وصولي إلى مشهد وذهابي إلى المستشفى، كان قد بقي على أذان الصبح ساعة واحدة، وكان هنالك عدد كبير من الأصدقاء، فذكروا بأنّه كان يتحدَّث ويضحك طوال الليل وحتّى الصباح وكان يمزح مع الجميع. لقد توقّف قلبه عن العمل تقريبًا بعد صلاة الصبح بحيث أصبح الخطّ الذي يرسمه جهاز تخطيط القلب على الشاشة على شكل خط مستقيم، ثم عاود قلبه العمل بعد عدّة دقائق.
وبعد هذه الحادثة، لم يتكلّم مع أيّ شخص، وكان واضحًا بأنَّ الأمر قد حُسم بالنسبة إليه. لقد استمرّت هذه الحالة بحدود ثلاث ساعات، حيث لم يكن معه في هذه الساعات الثلاثة أيّ شخص من الأقارب أو الرفقاء، بل كنت معه وحدي برفقة اثنين أو ثلاثة من الأصدقاء الأطباء ولا غير، وكلّ ما كان يتكلّم به خلال هذه الفترة هو: >أعطني ماءً!< عندما كان يعطش، كما كان منهمكًا بقراءة أحد الأذكار؛ فكنت أصبّ في فمه الماء بواسطة الملعقة؛ لقد كان هذا هو كلّ كلامه، وحتّى إنَّه لم يكن يسألني مطلقًا: كيف حالك؟ ومن أين أتيت؟
- سورة الشورى (٤٢)، مقطع من الآية ٢٣.
