
اختلاف سُبل الهداية ناتج عن الاختلاف في الشاكلة
في بداية هذه المحاضرة التي ألقيت في 10جمادى الثاني لعام1419هـ، تعرّض سماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره تعالى، لبحث مسألة مهمّة ترتبط بالسير والسلوك؛ وهي أنّ لكلّ شخص (بحسب خصوصيّاته وشاكلته) طريقه الخاصّ نحو خالقه ومبدئه، وقد فرّع سماحته عن هذا البحث مجموعة من الأبحاث الهامّة الأخرى؛ من قبيل: كيف تُؤثّر الظروف المختلفة على فهم الإنسان وإدراكه للأمور؟ هل يتأثّر وليّ الله بدوره بمثل هذه الظروف؟ كيف يتسنّى لوليّ الله الجمع بين مقامي الظاهر والباطن وتنفيذ المشيئة الإلهيّة من دون التأثّر بأيّ أمر آخر؟ وفي نهاية المطاف، بيّن سماحته سبب عدم تعرّض العلاّمة رضوان الله عليه لمسألة الوصاية من بعده مستفيداً ذلك من قصّة رزيّة يوم الخميس.
اختلاف سُبل الهداية ناتج عن الاختلاف في الشاكلة
13فلو فُرض بأنَّك ستموت يا عزيزي، فهذا ليس بشيء؛ أليس الموت بحقّ؟ ألم تكن تُرغِّب الناس لمدّة عشرين أو ثلاثين سنة من على المنبر في الشهادة والمشاركة في جبهات القتال والموت والقتل؛ فما الذي جرى حتّى لا تردَّ السلام على أحد عندما حلَّ بك هذا الأمر الآن؟!
كلّ ذلك بسبب ضعف الإيمان، حيث يُغلب الإنسان على أمره و بحسب الاصطلاح: ينفرط عقده.. يا عزيزي! إنّهم يُريدون أن يُعطوك مكان أفضل، فتلك بيئة لا صخب فيها، ولا تحتاج فيها لأن تجلس مع الناس وترشدهم، وستذهب إلى مكان واسع لا بداية ولا نهاية له، لكنّه يخاف ولا يستطيع التحمّل وحسم موقفه.
وحقيقةً، لماذا لا تكون لأحدنا طاقة التكلّم مع الآخرين ورؤيتهم حينما يحصل لنا أمر أو يمرض أحد أطفالنا؟! بينما نرى كيف تصرَّف سيّد الشهداء عليه السلام في يوم عاشوراء على الرغم من مشاهدته لجميع المصائب التي حلّت بهم بما في ذلك مسألة الأسر وغيرها؛ وهو تصرّفٌ لا يبدر إلاّ ممّن له قدرة الإمام عليه السلام ـ والأولياء في الدرجة الأدنى ـ وسعته.
أفهل كانت واقعة عاشوراء هيّنة؟ فهذا عليّ الأكبر عليه السلام الذي لا تُساوي الدنيا والآخرة شعرة من شعراته! وهذه مصيبة أخيه أبي الفضل عليه السلام! وتلك مصائب أصحابه!
لقد كانت منزلة حبيب بن مظاهر لدى الإمام بالدرجة التي يقول معها المؤرّخون بأنَّهم لاحظوا علامات الضعف على الحسين بن علي عندما سقط حبيب على الأرض شهيدًا؛ نعم، لقد كان بهذه المنزلة.۱
و أمّا بشأن أبي الفضل عليه السلام، فيقول: «الآن انْكَسَرَ ظَهْري وقَلَّتْ حيلَتي وانقطَعَ رَجائي»؛٢ ومن البديهي، أنَّ الإمام عليه السلام لم يكن بصدد المجاملة عند ذكره لهذه العبارات، ولم يقل ذلك عبثًا.
فتلك ضغوط ترد على نفس الإمام نتيجة لتعلّقها بعالم الكثرة؛ وهكذا يكون الأمر شاء هو أم أبى، وحتّى ولو كان هو الإمام عليه السلام، لكنّنا في نفس الوقت نراه يذهب إلى ميدان القتال ويعود، ويذهب إلى هذا وذاك، وينصحهم، ويتحدّث مع أخته بنحو معيّن، ومع ابنته بنحو آخر؛ فنجده يتحدّث مع كلّ واحد من الناس ـ صغيرهم وكبيرهم ـ بشكل خاصّ، وكان يتعامل مع كلّ شخص وفقًا لدرجته بنحوٍ تبدو فيه المسألة طبيعيّة، وكأنَّ شيئًا لم يحصل؛ فأيّ قابليّة هذه نُشاهدها من الإمام؟!
- لمزيد من الاطّلاع حول هذا الموضوع، راجع: نور ملكوت القرآن، ج ٣، ص ٣۰۱، نقلاً عن: أسرار الشهادة، ص ٢۷٤
- مقتل الخوارزمي، ج ٢، ص ٣۰؛ بحار الأنوار، ج ٥۸، ص ٢٣٣ مع شيء من الاختلاف.
