
اختلاف سُبل الهداية ناتج عن الاختلاف في الشاكلة
في بداية هذه المحاضرة التي ألقيت في 10جمادى الثاني لعام1419هـ، تعرّض سماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره تعالى، لبحث مسألة مهمّة ترتبط بالسير والسلوك؛ وهي أنّ لكلّ شخص (بحسب خصوصيّاته وشاكلته) طريقه الخاصّ نحو خالقه ومبدئه، وقد فرّع سماحته عن هذا البحث مجموعة من الأبحاث الهامّة الأخرى؛ من قبيل: كيف تُؤثّر الظروف المختلفة على فهم الإنسان وإدراكه للأمور؟ هل يتأثّر وليّ الله بدوره بمثل هذه الظروف؟ كيف يتسنّى لوليّ الله الجمع بين مقامي الظاهر والباطن وتنفيذ المشيئة الإلهيّة من دون التأثّر بأيّ أمر آخر؟ وفي نهاية المطاف، بيّن سماحته سبب عدم تعرّض العلاّمة رضوان الله عليه لمسألة الوصاية من بعده مستفيداً ذلك من قصّة رزيّة يوم الخميس.
اختلاف سُبل الهداية ناتج عن الاختلاف في الشاكلة
10لقد كان يقول ولمرّات متعدِّدة: "لقد أدَّيت الواجب الملقى على عاتقي".
أمّا أن يأتي أشخاص ليقوموا بتعيين التكليف للآخرين؛ فهذا الشخص وزير وذاك وكيل والآخر وصيّ أو نائب، وعليكم أن تفعلوا هذا الشيء أو ذاك، وعليكم الرجوع لهذا الشخص؛ فكلّ ذلك يعتبر من باب التلاعب.
إنّ الشخص الواصل إلى مقام التوحيد لا يستطيع أن يفعل شيئًا آخر غير تنفيذ مشيئة الله. لقد كان الأمر الوحيد الذي واجه سيّد الشهداء عليه السلام يوم عاشوراء هو ما بعد الشهادة؛ فلم يكن حديث أهل بيته معه عن سبب قتله واستشهاده، بل كانوا يقولون ما الذي سنفعله بعد شهادتك؟ فلقد كانوا يرون أمامهم قوم لم يبق لهم لا دين ولا إيمان ولا وجدان؛ ولهذا فإنَّ الإمام الحسين لم يكن يتكلّم معهم في خطبه عن الدين والإيمان؛ لأنَّه كان واضحًا افتقادهم للإيمان، بل كان يقول:
يَا شِيعَه آلِ أَبِى سُفْيَانَ! إنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ دِينٌ وكُنْتُمْ لا تَخَافُونَ الْمَعَادَ، فَكُونُوا أَحْرَارًا فِى دُنْيَاكُم.۱
(يقول الإمام: لنفرض أنّه لا دين لكم وأنّكم لا تخافون المعاد، لكن أين ذهبت عروبتكم التي تتفاخرون بها، وأين ذهبت حريِّتكم ووجدانكم؟)
فأنا لازلت على قيد الحياة وها أنتم تهجمون على الخيام؟ فأيّ ذنب ارتكبه هؤلاء الأطفال؟ اقصدوني أنا وقاتلوني، فإن كانت لي القدرة على الدفاع عن نفسي, دافعت، وإلاّ سقطتُ على الأرض؛ فليس لأولئك دين حتّى يتكلّم معهم الإمام عن الدين والإيمان.
كان الإمام الحسين عليه السلام يتكلّم معهم بهذه الكيفيّة من ناحية، ومن ناحية أُخرى كان يوصي أهله بالصبر والتوكّل على الله ويقول: ليكن أملكم بالله وحده، ولا يكن لكم أيّ أمل حتّى بي أنا سيّد الشهداء.
نعم، هذا هي مدرسة الإمام الحسين عليه السلام؛ فهو يقول: لا يكن اعتمادكم حتّى عليّ أنا الإمام الحسين، والإمام المعصوم؛ فسوف أسقط بدوري على الأرض يومًا ما وأرحل عن الدنيا، وسوف ترون الآن كيف أسقط على الأرض، ويأتي الشمر ويقطع رأسي ولن تكون لي القدرة على دفعه، وسيرمونني بالسهام ويسيل الدم من جسمي بالشكل الذي أفقد معه القدرة على تحريك يدي.
- اللهوف، ص ۱۱٩؛ بحار الأنوار، ج ٤٥، ص ٥۱.
