
ما هي حقيقة السير و السلوك إلى الله؟
يعتقد البعض أن طريق السير و السلوك هو طريق مبهم و معقد، و أنّه يخالف طريق العقلانية و اتباع الحق. فهل هذا الاعتقاد صحيح؟ فما هي حقيقة السير و السلوك إلى الله و ما هو معناه ؟ و ما هو منهج الأولياء في دعوتهم إلى الله و تربية التلاميذ؟أجاب آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني عن هذه الأسئلة في هذه الجلسة من جلسات عنوان البصري، الملقاة في تاريخ 30 صفر 1419هـ ق.
ما هي حقيقة السير و السلوك إلى الله؟
8في يوم من الأيّام، كنّا متواجدين في أحد المجالس الذي كان يحضره العديد من الأشخاص ـ ولا أرغب الآن في ذكر خصوصيّاته ـ، فتكدّر خاطري نوعاً ما، حيث كان يتمّ تداول بعض المسائل من هنا وهناك، وكان هناك بعض الأشخاص الذين لهم اطّلاع كامل على بعض شؤون الدولة، فلم تكن تُطرح هناك المسائل الجيّدة والمناسبة، بل كان يُؤتى في بعض الأحيان على ذكر اسم بعض الأشخاص، وعموماً، لم يُعجبني ذلك، وعندما دعوني في المرّة اللاحقة، رفضت الدعوة، وقلت: إنّ هذه المطالب هي مطالب لا فائدة من الكلام عنها أو الاستماع إليها، فما علاقتي أنا بالعمل الكذائي الذي قام به الشخص الفلاني؟!! و نحن بواسطة ما منحنا الله إياه من الشعور والبصيرة ندرك هذا على الأقل ، فلماذا يسمح الإنسان لنفسه أن يسيء الظن بالآخرين ؟! إن هذا خطأ و غير صحيح.
على كلّ حال، كان يوجد في ذلك المجلس شخصٌ يُبدي حميّة وحرارة أكثر من الآخرين في رفض أولئك الأشخاص المتصدّين وذمّهم.. وخلاصة القول أنّ مفاد كلامه هو: بعض الأشخاص لهم جانب واحد ـ نظير المحلّ التجاري الذي له واجهة واحدة فهو يرتبط بالخارج من خلال جهة واحدة ـ، وبعضهم الآخر عنده واجهتين، فتارة يميل إلى هذا الجانب أحياناً ، ويتدحرجون أحياناً أخرى إلى الجانب الآخر بحسب الحاجة، وبعضهم عنده ثلاثة...
ثمّ قال غامزاً لامزاً أولئك المسؤولين: في مثل هذه الظروف، نجد أنّ المتصدّين للمناصب في الحكومة يجب أن يكون عندهم ستّة واجهات: باتّجاه الشمال والجنوب والشرق والغرب والأعلى والأسفل؛ فمثل هذا الشخص هو الذي ينفع ويصلح، وهو الذي يُمكنه القيام بعملٍ ما، وإلاّ ما إن يشرع الإنسان في الكلام [من دون أن يكون متوفّراً على جميع هذه الجوانب ] حتّى تُواجهه العديدُ من المشاكل. وكان يقول: إنّ الأشخاص المتّصدين للأمور الآن لهم ستّة جوانب، فاليوم يقولون كلاماً، وغداً يقولون كلاماً آخر...
ومرّت هذه الحادثة، ثمّ حصل ذلك الشخص على منصب ومقام في الدولة، فطرح عليه أحد الأصدقاء ـ يوماً ما ـ سؤالاً، وقال له: يا سيّدي، لماذا ينبغي أن يكون الأمر بهذا الشكل؟ فقال له: حسناً، هذا واضح جدّاً، فعلى الإنسان أن يكون تابعاً للدولة والحكومة، وبما أنّ الحكومة هي حكومة إسلاميّة، فإنّ مصدر جميع الأوامر هو الجهات العليا وينبغي طاعتها. لاحظوا معي، كم هي المدّة التي استغرقها ذلك [أي تغيير مواقفه]؟ فعلى ما يبدو أنّ الإنسان ينبغي أن يكون متوفّراً على ستّين جانب (ووجه) حتّى يتفوّه بمثل هذا الكلام!! فما هو السبب في ذلك؟ هي النفس الأمّارة يا عزيزي! فهذه النفس الأمّارة تأتي وتسلب من الإنسان الحرّية في الفكر والعمل، وتضعه في إطار ومجالٍ خاصّ يُؤدّي إلى تغيير وتحويل جميع استعداداته وقابليّاته، فيعمد إلى التبرير تلو التبرير، والتأويل بعد التأويل.. عجيب! إنّ السبب في كلّ ذلك هو أنّ الإنسان لا يرغب ـ واقعاً ـ في وضع قدمه على الطريق، وإلاّ لو كان يرغب في ذلك ويسعى نحو العمل، فإنّ عناية الله ولطفه سيُعينانه وينصرانه.
