
ما هي حقيقة السير و السلوك إلى الله؟
يعتقد البعض أن طريق السير و السلوك هو طريق مبهم و معقد، و أنّه يخالف طريق العقلانية و اتباع الحق. فهل هذا الاعتقاد صحيح؟ فما هي حقيقة السير و السلوك إلى الله و ما هو معناه ؟ و ما هو منهج الأولياء في دعوتهم إلى الله و تربية التلاميذ؟أجاب آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني عن هذه الأسئلة في هذه الجلسة من جلسات عنوان البصري، الملقاة في تاريخ 30 صفر 1419هـ ق.
ما هي حقيقة السير و السلوك إلى الله؟
3هذا هو السلوك.. السلوك يعني العمل وفقاً لرضا الله واليقينيّات، والسلوك يعني حفظ الأمانة في كلّ ظرف وفي كلّ مكان، حتّى وإن كان على خلاف مصلحة الإنسان، والسلوك يعني الصدق مع النفس والناس في كلّ مكان وزمان ولو كان ذلك مخالفاً لمصالح الإنسان، والسلوك يعني الاحتراز عن الغيبة مهما اختلف الزمان والمكان، حتّى وإن كانت تلك الغيبة ستجلب النفع والربح للإنسان.. هذا هو معنى السلوك! وقد كان المرحوم الشيخ [محمد جواد] الأنصاري يقول: السلوك عبارة عن العمل بالأحكام الخمسة: الواجب والمستحبّ والحرام والمكروه والمباح.
هذا هو معنى السلوك، فما أكثر الأشخاص الذين كانوا مع العظماء والأعلام، وكانوا يعتقدون أنّ نفس المجيء إليهم والحضور عندهم ومرافقتهم تكفي لإصلاح حالهم، إلاّ أنّ الأمر ليس كذلك، ولقد كنّا نشاهد العديد من الأشخاص الذين كانوا يأتون ويشاركون في المجالس، غير أنّ عملهم كان شاهداً على عدم يقينهم بالطريق، وبالنتيجة لم يخرجوا سالمين، وانحدروا في وادي الهلاك. كلّ ذلك لماذا؟ لأنّ طريق الله لا مزاح فيه، وليس بين الله وبين أحد صداقة ولا قرابة.. فالمسألة هي بهذا الشكل!
ليس بين الله و بين أحد قرابة و مناط القرب من الله هو العمل و التطبيق
نقل لي أحد الإخوان مؤخّراً مسألةً تستجلب الأنظار عن آية الله الشيخ حسن زادة الآملي (وفّقه الله تعالى لمرضاته).. قال: كنت يوماً عنده وكان الكلام يدور حول المرحوم القاضي وأولاده، إذ أنّ أحد أولاد المرحوم السيّد القاضي كان يتواجد بقمّ ويُدعى المرحوم السيّد مهدي القاضي، وقد زرته بنفسي عدّة مرات، ويُمكننا أن ندّعي بأنّه لم يوجد له في عصرنا نظير في علم الأعداد والعلوم الغريبة. فقال [الشيخ حسن زادة الآملي]: لقد طرحت في يوم من الأيّام سؤالاً على السيّد مهدي القاضي مفاده: يا سيّدي! إلى أيّ ولد من أولاد المرحوم القاضي انتقلت تلك الحقيقة وذلك السرّ الذي كان يحمله ذلك المرحوم؟ وبعبارة أخرى: أيّ أولاد المرحوم القاضي تمكّن من الاغتراف من الجنبة المعنويّة والروحيّة التي كان يمتلكها؟ وقد كان مرادي أن أقول له: هل استفدتم شيئاً من هذه الحقيقة، أم لا؟ فأجاب قائلاً: لا يا عزيزي! من أين لنا أن نرث تلك الحقيقة والواقعيّة التي كان يمتلكها والدنا؟! فمن بيننا ـ نحن الإخوة من أولاد المرحوم القاضي ـ توجد أختٌ تمكّنت لوحدها من وراثة تلك الحقيقة وذلك السرّ، غير أنّها رحلت عن هذه الدنيا. ثمّ قال بعد ذلك: لقد كان للمرحوم الآخوند الملاّ حسينقلي الهمداني ـ قدّس الله رمسه ـ ما يُناهز الثلاثمائة تلميذ، وكان كلّ واحد منهم نجماً في سماء المعرفة ومنارةً لهداية الناس، فالمرحوم السيّد أحمد الكربلائي، والسيّد محمد سعيد الحبّوبي، والشيخ محمد البهاري هم من بين العظماء الذين كانوا تلامذة للملا حسينقلي همداني.. وكان يقول: لقد تمكّن ثلاثمائة شخص من الاغتراف من معين المرحوم الآخوند والاستفادة منه استفادةً تامّة، والحال أنّ ابنه المباشر ـ والذي كان يسكن معه في منزله ـ لم يكن له أيّ علم بهذه الأمور! فهذه المسألة هي من الأهميّة بمكان، بحيث أنّه حينما يُقال أنّ طريق الله والسير إليه لا مزاح فيه، فإنّ المراد من ذلك أنّ الله ينظر إلى عباده نظرةً واحدة.. فالجميع سواسية، والجميع مخلوقون لله، ولا معنى أن تكون له تعالى نظرة إلى أحد الأشخاص تختلف عن نظرته لشخص آخر، لكن يبقى الكلام حول من الذي يلتحق بهذا الطريق ويسير فيه! هذا مربط الفرس: هل نمشي ونتحرّك بكلّ وجودنا، أم لا؟!
