
إمكانية السلوك في ظل غيبة الإمام والولي
تناول سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني في المحاضرة الرابعة من شرح حديث عنوان البصري مسألة أن هداية الإمام ظاهرية وباطنية، وأنّ حقيقة الإمام عليه السلام هي أن كل شيء فيه، وأنه هو أساس وجود العالم، مشيراً إلى أن الرؤية الظاهرية للإمام ليست هي المطلوب بل المطلوب هو معرفته الباطنية، وأن علم الإمام هو علم حضوري لا حصولي، وكل شيء في عالم الإمكان إنما هو برعاية الإمام عليه السلام الدائمة، ثم تكلم في أن كل علم يتنزل إلينا من خلال الإمام عليه السلام، وأن الحضور الظاهري للإمام والولي ليس ضروريا في السلوك، وختم بأن عمل الإنسان بما يعلم يوصله إلى العلم
إمكانية السلوك في ظل غيبة الإمام والولي
6فحينما يقول مثل هذا العظيم بأنّ رؤية الإمام الظاهريّة ليست بذات أهميّة لي... فهؤلاء الذين كانوا يرون النبيّ الأكرم ماذا استفادوا من ذلك؟! هذا مع أنّ النبيّ الأكرم هو أعلى وأعظم من صاحب الزمان عليه السلام. فأين ذهب أولئك الذين كانوا يأتون عند النبيّ، ويمسحون رؤوسهم ووجوههم بماء وضوئه، بعد وفاته عندما جاؤوا إلى منزل ابنته وأحرقوا بابه؟! أين كان هؤلاء؟! وأين ذهبوا؟! وأولئك الذين كانوا يذهبون خارج المدينة لعدّة فراسخ من أجل استقبال النبيّ عند رجوعه من غزوة أو سفر، أين كانوا حينما وُضع الحبل في عنق أمير المؤمنين واقتيد إلى المسجد بتلك الطريقة؟!! كلّ ذلك ليس ملاكاً.. المعرفة هي الملاك, ومن هم الذين كانوا يمتلكون المعرفة؟ هم ثلاثة أشخاص.. سلمان وأبو ذرّ والمقداد.. ولو أردتم أن تسمعوا منّي الحقيقة: لقد كان شخصاً واحداً فقط، وهو سلمان. فأولئك كانت لديهم معرفة وصمدوا وثبتوا على مواقفهم، إلاّ أنّ سلمان كان شيئاً آخر!
علم الإمام علم حضوري لا حصولي
بعد ذلك يقول الإمام عليه السلام: «فإنّا نحيط علماً بأنبائكم, ولا يعزب عنّا شيء من أخباركم..» أي أنّه لدينا إحاطة علميّة بأعمالكم, فأيّ شيء تريدون القيام به, فعلمه عندنا. ماذا يعني ذلك؟ يعني أنّه حينما أتحدّث معكم الآن، فإنّ النسخة الأصليّة لهذا الكلام موجودة في نفس الإمام! حينئذٍ هل يُمكننا أن نتصوّر من الأساس أن نأتي ونسأل الإمام: يا بقيّة الله، يا إمام الزمان، هل أنت مطّلع على أحوالنا؟ هل تعلم شيئاً عنّا؟ هل تُعاين توسّلاتنا؟ إنّ النسخة الأصليّة لهذا الكلام موجودة الآن هناك, والمسألة التي أتحدّث عنها هي معلولة لتلك النسخة الأصليّة، وبمثابة الوجود المتنزّل عنها.
وهذا يعني أنّ علم الإمام ليس علماً حصوليّاً, فالعلم الحصولي يعني أن يكون الإنسان خالي الذهن بالنظر إلى مسألة من المسائل، ويكون ذهنه خالياً على مستوى تصوّراته وتصديقاته؛ ولهذا من اللازم أن يأتي شخص ليذكر له تلك المسألة أو يفتح كتاباً ليفهمها.. فهذا هو ما يُسمّى بالعلم الحصولي.. وأمّا عندما يكون الإمام عليه السلام غائباً عنّا وفي نفس الوقت يقول: نحن لدينا إحاطة علميّة بأعمالكم, ولا يعزب عنّا شيء من أخباركم, فما هو هذا العلم؟ هذا العلم ليس حصوليّا بل هو علم حضوريّ؛ لأنّه في العلم الحصولي يحتاج الإنسان لأن يكون على اتّصال بالطرف الآخر, وعلى ارتباط بتلك المسألة, وأمّا هذا العلم فهو حضوري، والعلم الحضوري يعني أن يكون لنفس الشيء ونفس تلك الحادثة حضوراً عينيّاً في وجود الإنسان؛ وهنا يحدث اتّحاد للعلم والمعلوم بالعين الخارجيّة على مستوى نفس الإمام.
