
كيف يهدي الإمام عليه السلام في حضوره و غيبته؟
ألقى سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني محاضرة عنوان البصري المجلس الثالث،باللغة الفارسية، بتاريخ:16 صفر 1419هـ ق، وتساءل فيها عن ما يلي: لماذا أعلن الإمام عليه السلام لعنوان عدم إمكانيّة الارتباط به؟ وهل لمسألة الهداية والإرشاد علاقة بحضور الإمام عليه السلام أو غيبته؟ وكيف يكون للولاية إشراف على عالم الوجود بأسره، بحيث يقتضي ذلك وصول الهداية إلى جميع المستحقّين؟ وهل طرق هداية الإمام والوليّ للناس واحدة، أم أنّها تتعدّد بتعدّد الظروف والأشخاص؟ وما هي الوظيفة الملقاة على الناس في هذه الحالة؟ هذه تساؤلات ـ بالإضافة إلى تساؤلات أخرى ـ تعرّض سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الطهراني للإجابة عنها في هذه المحاضرة القيّمة.
كيف يهدي الإمام عليه السلام في حضوره و غيبته؟
14اختلاف طرق الهداية بحسب اختلاف الظروف والأشخاص
فمفاد قول الإمام عليه السلام أنّ كيفيّة الهداية والإرشاد إلى طريق الصواب ليست بيدي ولا بيدك, بل هي بيد الوليّ الذي يجري الأمور بحسب ما يُشخّصه هو؛ فأحياناً يرغب الوليّ أن يجذب الشخص إليه ويشدّه إليه ويقرّبه منه, فيقول له: ينبغي أن تبقى هنا.
لقد كان لدى المرحوم القاضي ـ رضوان الله عليه ـ العديد من التلامذة، وكان أحد تلامذته الذين تتلمذوا على يديه يُريد أن يأتي إلى إيران, لكنّ السيّد علي القاضي لم يكن يرى الصلاح في ذهابه, ومع ذلك، فإنّ ذلك الشخص أتى إلى إيران على الرغم من أنّ السيّد علي القاضي كان قد صرّح بأنّ ذهاب هذا الشخص في تلك الظروف ليس في صالحه, فما معنى ذلك؟ يعني أنّ ذلك الشخص يخضع الآن لخصوصيّة معيّنة، وخاضع لطريقة خاصّة من التربية يحتاج معها إليّ، وهو يحتاج إلى مصاحبتي ومرافقتي, وتركه لي مع هذه الخصوصيّات والظروف سيؤدّي إلى الإضرار به؛ ونحن رأينا أنّه أتى [إلى إيران]، وبقي في تلك المرحلة، وتوقّف عن مسير الرشد والكمال!
لكنّنا نجد أنّه يقول للسيّد حسن المسقطي: أنت تستطيع الذهاب! وأينما أردت أن تذهب فلا عليك، أينما أردت الذهاب فالأمر لن يختلف!
هذا كانت حاله تقتضي ذلك، وذاك يقتضي أمراً آخر. ولا يمكن لنا أن نقيس هذا على ذاك، بل لكلّ منهما مسيرة خاصّة، وكيفيّة في الهداية تختصّ به. إنّ الله المتعال قد جعل للناس وللأشخاص ظروفاً مختلفة في هذا العالم, والأساس الذي ينبغي البناء عليه في جميع ذلك هو أن نجعل أنفسنا تحت إرادة واختيار المشيئة الإلهيّة في جميع الظروف التي يقدّرها الله لنا.. هذا هو المهمّ، وهذه هي حقيقة المسألة. فلعلّ هذه الظروف التي ضمن هذه الخصوصيات تكون بنفع الإنسان, ولعلّه إن غيّر ظروفه، فلن يكون ذلك مناسباً له.
المدار في السير والسلوك هو الطاعة
في يوم من الأيّام ـ كنت آنذاك في سنّ الثانية عشرة من العمر تقريباً.. بين الحادية عشر والثانية عشر تقريباً ـ جاء عدّة من الرفقاء ـ والظاهر أنّها كانت ليلة التاسع عشر أو الواحد والعشرين من شهر رمضان المبارك ـ إلى المنزل الذي كان يقع في شارع «شهباز وآهنك»، حيث كنّا نسكن هناك أوّلاً، ثمّ انتقلنا بعد ذلك إلى مكان آخر. وكانت عادة المرحوم الوالد رضوان الله عليه أنّه لا يجيب دعوة أحد ولا يستقبل أحداً على الإفطار في ليالي القدر, وهكذا كان دأبه وقاعدته التي يمشي عليها؛ لأنّه كان يذهب بعد ذلك إلى المسجد، وكان يبقى هناك إلى ما يُقارب وقت السحر, كما كان يصلّي مائة ركعة، مضافاً إلى قراءة الأدعية والزيارات في ليالي القدر، وكان بدوره يُلقي محاضرةً, حيث كانت محاضرته تطول في بعض الأحيان إلى ما يزيد عن الساعتين, بالإضافة إلى العزاء والتعرّض لذكر مصائب أهل البيت من قِبل الواعظ، والمراسم التي تعقبها...، فكانت تطول كلّها حوالي الساعتين! ولهذا، لم يكن يذهب في ليالي القدر إلى أيّ مكان، كما لم يكن ليدعو أو يستقبل أحداً. وأذكر أنّه في تلك الليلة كان يهطل المطر, فجاءت مجموعة من الأصدقاء والرفقاء لملاقاته (كانت الليلة الحادية والعشرين، أو الليلة التاسعة عشر), وكان آنذاك متواجداً في داخل المنزل، فقال لي: اذهب وقل لهم: «فلان ليس لديه مجال للملاقاة» ,فأتيت وقلت لهم ذلك, وقد كانوا أربعة أو خمسة أشخاص, وقلت لهم: إنّه يقول: لا مجال عنده للملاقاة, فقال ثلاثة منهم أو أربعة: حسن جداً، سنرجع أدراجنا، لكنّ واحداً منهم قال: لا! ما معنى قوله: ليس لديّ مجال للملاقاة؟! ينبغي أن نراه وأن ندخل لزيارته, لقد قطعنا جميع هذه المسافة، فلا بدّ وأن نلقاه, ولو بأن نلقي نظرة على وجهه، ونستفيض من جماله، فهذا يكفي. فدخل ذلك الرجل إلى المنزل، وبما أنّ الفصل كان فصل الشتاء، فقد جلس تحت الكرسي، حيث كان يوجد آنذاك كرسي، وأمّا الآن، فجميع هذه الأمور قد عفى عليها الزمان! فجاء المرحوم الوالد ـ والظاهر أنّه كان في الحمام للقيام بغسل ليلة القدرـ وجلس ما يقارب النصف الساعة معه، بل حتّى أنّه تكلّم معه، وصار بينهما نقاش حول مسألة معيّنة إلى أن خرج ذلك الشخص الذي كان فرحاً ومسروراً قد نال مراده من ذلك اللقاء، ثمّ ذهب إلى منزله ليتهيّأ للذهاب إلى المسجد. ثمّ مضى على هذه الحادثة حوالي السنتين أو الثلاث سنوات، وكنّا قد انتقلنا من ذلك المنزل إلى منزل آخر في شارع «هدايت»، ورويداً رويداً بدأت تظهر على ذلك الشخص بعض الحالات, وبدأ يُبتلى ببعض المسائل في أفكاره وأطواره، فبدأ يبتعد عن العلاّمة قدّس سره بشكل تدريجي, إلى أن وصل الأمر بحيث كانت هذه الحالات والأطوار سبباً لانفصاله بشكل تامّ عن المرحوم الوالد, وبدأت تظهر عليه بعض الحالات الشيطانية، وساء وضعه بشكل عجيب جداً.. وأنا لن أوضّح أكثر من ذلك، وخلاصة القول أنّه انقطع بشكل نهائي, ووقع بينه وبين المرحوم العلاّمة حجاباً ومانعاً قويّاً. وكما ذكرت، فبعد مرور سنتين أو ثلاث سنوات على هذه الحادثة ـ حيث كنّا قد انتقلنا من منزلنا ـ كان المرحوم الوالد يتحدّث في أحد الأيّام مع أولئك الأشخاص الثلاثة الذين صادف مجيؤهم تلك الليلة, وقد كنت أنا موجوداً أيضاً. وفي الأثناء، يأتي ذكر ذاك الشخص وكيف أنّه ذهب، وليس هناك من أخبار عنه! حينها قال المرحوم الوالد: إنّ الأمر المهمّ في هذا الطريق هو مسألة الطاعة.. هذا هو الأمر المهمّ! فالطاعة هنا هي المؤثّرة. ثمّ قال: يا حضرة السيّد الفلاني! هل تذكر قبل ثلاث سنوات حينما جئت أنت وأنت وأنت برفقة ذلك الشخص إلى هنا، وكانت ليلة ماطرة، وقد أبلغت السيّد محسن بأن يقول لكم: «ليس لديّ وقت ولا مجال»، فأطعتم أنتم ورجعتم, وأمّا هو فجاء وجلس وحضر للقائي؟ لقد بدأ بمرحلة الأفول منذ ذلك الوقت، إلى أن وصل الأمر به إلى الانقطاع بشكل تامّ... وبطبيعة الحال، فإنّ أصدقاءنا القدامى يعرفون من الذي أقصد!
