
هداية الإمام عليه السلام في الظروف المختلفة
تعرّض سماحة آية اللـه السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني قدس سره في هذه المحاضرة إلى مسألة اختلاف الظروف الاجتماعيّة والسياسيّة التي تحيط بإمام كلّ زمان، وتساءل عن مدى تأثير هذه الظروف على أداء الإمام عليه السلام لدوره، فهل هداية الإمام مشروطة باللقاء المباشر به؟ وهل الأشخاص الذين لا يملكون الفرصة للقاء بإمام زمانهم أو يعيشون في زمان الغيبة محرومون من فرصة الهداية؟
هداية الإمام عليه السلام في الظروف المختلفة
3نُلاحظ في هذه الرواية أنّ الإمام عليه السلام قد لفت النظر إلى نقطتين: النقطة الأولى وهي تلك المسائل المرتبطة بما هو خارج عن منزله وعن دائرته الشخصيّة، وبعبارة أخرى فإنّ الإمام عليه السلام يشير هنا إلى المسائل الاجتماعيّة. والنقطة الثانية ترتبط بالمسائل الشخصيّة. فالإمام عليه السلام يقول: يوجد لديّ محذوران؛ المحذور الأوّل يرتبط بالقضايا الخارجيّة ـ وهذا يُشكّل لي مانعاً من أجل إقامة علاقة معك ـ والمحذور الثاني يرتبط بمسائلي الشخصيّة. وذلك أن الإمام عليه السلام يقول: لديّ هنا مانعان: «إنّي رجلٌ مطلوبٌ»، هذا أوّلاً (فأنا مراقَب، وهم يتعقّبونني، فقد عيّنوا الجواسيس لمراقبتي، وخلاصة القول أنّني لا أستطيع أن أقيم علاقات عاديّة)، وثانياً، أنا نفسي مشغول، فكلّ شخص ـ في الأخير ـ لديه أشغاله الخاصّة في الحياة، وله برنامج، وله ذكر ووِرد. يبقى أنّ هذه مسألة أخرى (أي مسألة الذكر والورد وما إلى ذلك)، وسنبحثها لاحقاً إن شاء اللـه.
هل تشكّل الظروف الاجتماعيّة مانعاً أمام هداية الإمام عليه السلام؟
أمّا بالنسبة لمسألة «إنّي رجلٌ مطلوبٌ»، فما هو مراده عليه السلام من ذلك؟ فهل تُشكّل هذه القضايا الخارجيّة والاجتماعيّة عائقاً أمام هداية الناس بالنسبة للإمام؟ فعندما يقول الإمام عليه السلام: أنا مراقَب، هل تُعدّ مسألة كونه مراقَباً مانعاً له عن الهداية؟ وعليه، من حقّ عنوان البصري هنا أن يطرح هذا التساؤل: إذاً، فماذا أفعل؟ أنتم مراقَبون، فماذا عليّ أن أفعل؟ وأين أذهب؟ وإلى من أرجع؟! وأيّ طريق أسلك لرفع الجهل عنّي والوصول إلى الهدف المنشود؟! ومن يراجع تاريخ الأئمّة عليهم السلام فسيجد نظائر عديدة لهذه المسألة.. حيث نرى بأنّ الأئمّة قد عاشوا عبر التاريخ حالاتٍ ومراحل مختلفة. فمثلاً في زمان الرسول الأكرم وصدر الإسلام كان الرسولُ صلّى اللـه عليه وآله وسلّم يتعقّب الناسَ بنفسه واحداً واحداً، ومع ذلك لم يكن أحدٌ يأتي عند الرسول من الأساس، فكان النبيّ يُغادر مكّة ويذهب إلى الطائف ويتوجّه نحو الناس، وكان إذا رأى شخصاً جالساً في المسجد الحرام؛ ذهب إليه وشرح له المسائل وقرأ عليه القرآن. وإذا ما لاحظ مجموعةً من الأشخاص ـ على سبيل الفرض ـ مجتمعين بالقرب من الحجر الأسود، فإنّه يذهب عندهم ويجلس بينهم ليبيّن لهم مطالبه ويُبلّغها لهم. وفي بداية الرسالة وبعد مرور ثلاث سنوات، قام الرسول بجمع قومه وعشيرته لكي يشرح لهم المطالب: {وَأَنْذِرْ عَشيرَتَكَ الأَقْرَبين}۱. لاحظوا أنّ الرسول يتوجّه بنفسه نحو الناس! فلم يكن أيّ أحد يأتي عنده، أي أنّ الرسول كان يرجع إلى الناس من أجل هدايتهم، وكان يتتبّعهم واحداً واحداً. فالرسول كان يريد ـ بأخلاقه وتصرّفـاته ـ أن يجمع الأشخاص واحداً واحداً، ويجتمع بهم ويجذبهم إليه. وهكذا الأمر بالنسبة للحروب التي حصلت في المدينة، فقد كان الرسول يذهب ويدعو الناس إلى الإسلام، لكي يعتنقوه ويصيروا مسلمين.
- سورة الشعراء (٢٦)، الآية ٢۱٤.
