
هداية الإمام عليه السلام في الظروف المختلفة
تعرّض سماحة آية اللـه السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني قدس سره في هذه المحاضرة إلى مسألة اختلاف الظروف الاجتماعيّة والسياسيّة التي تحيط بإمام كلّ زمان، وتساءل عن مدى تأثير هذه الظروف على أداء الإمام عليه السلام لدوره، فهل هداية الإمام مشروطة باللقاء المباشر به؟ وهل الأشخاص الذين لا يملكون الفرصة للقاء بإمام زمانهم أو يعيشون في زمان الغيبة محرومون من فرصة الهداية؟
هداية الإمام عليه السلام في الظروف المختلفة
12لابدّ من اختلاف المظاهر والآثار لإدراك حقيقة التوحيد
ويبقى الكلام هنا حول مسألة تعذّر ظهور التوحيد من دون وجود الاختلاف في المظاهر وشبكات عالم الإمكان. فإذا كان هناك ظهور واحد ومظهر واحد ونسَق واحد، فلا وجود إذن للتوحيد، إذ التوحيد يعني عدّ النظام أمراً واحداً، ومتى يُمكننا عدّه كذلك؟ ومتى يُمكننا عدّ الأحداث والوقائع أمراً واحداً؟ حينما يوجد اختلاف بينها؛ أي على الرغم من وجود اختلاف بينها، فإنّنا نعدّها أمراً واحداً، وأمّا إذا لم يكن هناك اختلاف، فلا يُمكننا القول بالوحدة؛ لأنّ الوحدة بما هي هي ليست إلاّ هي. فحقيقة التوحيد تعني عدّ الأشياء أمراً واحداً، وهذا لا يمكن تحقّقه إلاّ عندما يغضّ الإنسان نظره عن الاختلاف، أي أنّ الاختلاف قائم وموجود لكنّه لا يراه؛ حينئذٍ يمكن للإنسان أن يتحدّث عن التوحيد. فإذا كان نظره متوجّهاً إلى الكثرة، فهذه كثرة، وأمّا إذا كان نظره متوجّهاً للتوحيد، فينبغي عليه أن يُذيب تلك الكثرات في ذلك التوحيد؛ ولهذا نقول بأنّه من اللازم وجود الاختلاف.
فاللـه تعالى قد جعل توحيده وفيضه يتجلّى في أطوار وأدوار وأشكال مختلفة، وهو يُريد أن يقول لنا بلسان الحال، ويسعى لأن يُفهمنا بأنّ: الأخذ بأيدي الناس وهدايتهم من عدّة جهات هو على حدّ سواء بالنسبة إليّ، واعلموا أنّ هدايتي لا تخضع لأيّ سبب أو علّة تكون خارجةً عن عنايتي في المقام الأوّل، وعن اهتمامكم أنتم في المقام الثاني، هذه هي حقيقة المسألة! وإذا كان من المقرّر أن يكون للأوضاع والأحوال تأثير في هذه الهداية، فإنّ ذلك يعني خروجها عن دائرة الحكم الإلهي، وتضييقها وتحديدها من قدرة اللـه المطلقة. وهنا يُريد اللـه تعالى أن يقول لنا: كما أنّ اليُسر بيدي، كذلك العُسر بيدي؛ فاليُسر والعُسر هما في الحقيقة شيء واحد، وعلى الإنسان أن ينظر إلى كلا الجانبين بنظرة واحدة.
وبناءً عليه، لا فائدة من الأساس من تلك الهداية المقيّدة بزمان الظهور، فالهداية التي تُرجى منها الفائدة هي الهداية التي يكون منشؤها إرادة الحقّ ومشيئته، وليس الظهور ولا الغيبة. وعليه، فلا الظهور له دخل في مسألة الهداية، ولا الغيبة دخيلة في عدمها، ولا علاقة لأيّ منهما بالأمر. ولقد اقتضت المشيئة الإلهيّة المرتبطة بهداية كلّ شخص وتكامله أن يرى الإنسان مبدأً واحداً فقط حاكماً على جميع الأحداث والوقائع، وألاّ يُشاهد أكثر من علّة واحدة لجميع هذه التغيّرات والاختلافات.فإذا كان اللـه تعالى لا يُرى إلا من خلال نافذة الرحمة ـ والمراد بها الرحمة كما نراها نحن بطبيعة الحال ـ ومن خلال إناء الطعام والموائد المزيّنة بما لذّ وطاب؛ فذلك ليس بإلـٰه. ومن ناحية أخرى، إذا كان اللـه تعالى يُرى دائماً من خلال الشدّة والضيق وغير ذلك، فإنّه ليس بإله أيضاً؛ فاللـه تعالى هو إله فوق العسر واليسر.. هذا هو اللـه، وهذا هو معنى التوحيد. ولهذا، فإنّنا نُشاهد هنا ظهور طرق مختلفة لهداية الناس؛ فتلك الطريقة وذلك السير الذي يُراعي جانب التوحيد في جميع برامجه وكافّة جوانبه التربويّة هو أقرب إلى التوحيد الحقيقي من بقيّة الطرق والمسارات التي تسعى للوصول إلى هذه الحقيقة من جوانب مختلفة.
