
الغاية من تأسيس جلسات عنوان البصري
تعرّض سماحة آية اللـه السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره في أول جلسة من جلسات شرح حديث عنوان البصري إلى الحرمان الذي شعر به سماحته و العديد من رفقاء العلامة الطهراني رضوان اللـه عليه بعد ارتحاله، ثمّ ذكر إلحاح الإخوة المؤمنين على سماحته بتأسيس جلسة تطرح فيها المباني الأصيلة لهذا العارف العظيم و الولي الإلهي، مبيناً الأساس الذي تشكّلت على أساسه هذه المجالس.
الغاية من تأسيس جلسات عنوان البصري
12التعريف الإجمالي برواية عنوان البصري
إنّ رواية عنوان البصري هي رواية كان المرحوم العلاّمة كثيراً ما يوصي بها إلى درجة أنّه كتبها بنفسه، وكان يضعها في جيبه عندما كان يدرس في النجف الأشرف، وكان ـ مثلما ذكر بنفسه ـ يقرؤها مرّتين في الأسبوع، وهي رواية عجيبة واقعاً ، فحينما سنطّلع في الجلسات المقبلة إن شاء اللـه تعالى على مضامين هذه الرواية، سنكتشف بأنّ الإمام الصادق عليه السلام قد بيّن لذلك الشخص في هذه الرواية حقيقة السلوك والمسير إلى اللـه بأجمعه من خلال عبارات مختصرة وقصيرة.
نُقلت هذه الرواية عن المرحوم الشيخ البهائي ـ أعلى اللـه مقامه ـ، حيث أنّه قال: قالَ الشَّيخُ شَمْسُ الدِّينِ مُحمّدُ بنُ مكِّيٍ نَقَلتُ مِن خَطِّ الشَّيخِ أحمدَ الفَراهانِيِّ رَحِمَهُ اللـه، عَن عِنوانِ البَّصريِّ ، وكانَ شَيخاً كَبيرًا قَد أتَى عَليه أربعٌ وتِسعونَ سَنَةً. قَال: كُنتُ أخْتلِفُ إلى مالكِ بنِ أنَسٍ سِنينَ (أي مرّت سنوات وأنا على علاقة بمالك في المدينة، حيث كنت أتردّد على منزله) فَلَمّا قَدِمَ جَعفرٌ الصَّادقُ المَدينةَ اخْتَلَفتُ إليهِ وأحبَبْتُ أنْ آخُذَ عنه كما أخَذْتُ عن مالكٍ، فقالَ لي يَوماً: إنّي رَجلٌ مَطلوبٌ (ومراقب من طرف أجهزة النظام وواقع محطّ نظرهم، وبعبارة أخرى أنّهم قد وضعوا عليّ جواسيس، فلا أريد أن أرتبط بعلاقات كثيرة مع الناس) ومعَ ذلك لِي أورادٌ (و أذكار) فِي كلِّ ساعَةٍ مِن آناءِ اللَّيلِ والنَّهارِ (وقدومك إلى هنا يُسبّب لي التخلّف عن وردي وذكري) ، فَلا تَشْغَلْنِي عَن وِرْدي وخُذ عَن مالكٍ.
توجد مسألة هنا يجب الالتفات إليها، وهي مسألة ضرورة الذكر والورد من أجل تلطيف السرّ وتجرّد النفس، ولدينا آية قرآنيّة شريفة تقول: { أَلا بِذِكْرِ اللـه تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب } ۱، و قد ذكر أمير المؤمنين عليه السلام ـ عند استعراضه لصفة أولياء اللـه ـ عبارة تتحدّث عن الأثر الذي يتركه الذكر والورد في نفس الإنسان، و نحن سنكتفي هذه الليلة بترجمة حرفيّة لهذه العبارة، على أن نترك بقيّة المطالب لليالي المقبلة إن شاء اللـه تعالى؛ لأنّنا أطلنا الكلام كثيراً في المقدّمة. يقول عليه السلام: (وَإنَّ لِلذِّكرِ لَأهلاً أخَذوهُ مِن الدُّنيا بَدَلاً فَلَم تَشْغَلْهُم تِجارَةٌ ولابَيعٌ عَنه ...) ، والمراد هنا من الذكر الذي يتحدّث عنه أمير المؤمنين ليس هو الأوراد، بل هو ذكر اللـه [والتوجّه إليه وعدم الغفلة عنه]. وبما أنّ الأوراد هي عبارة عن تسبيح اللـه تعالى وتحميده وبيان صفاته الجماليّة والجلاليّة، فإنّ الإنسان سيكون عند أداء الورد ـ بالتبع ـ متوجّهاً إلى الذات والصفات الجلاليّة والجماليّة ومتمحّضاً فيها فقط. ومن هذا الباب، فإنّ الأوراد تُسمّى أيضاً بالأذكار. وأمّا حقيقة الذكر، فهي عبارة عن ذكر اللـه تعالى وعدم الغفلة عنه، وسنترك التفصيل في هذه المسألة إلى فرصة قادمة.
- سورة الرعد (۱٣)، ذيل الآية ٢۸.
