
تأثير الصلاة في غفران الذنوب: 2
وهي المحاضرة الثانية حول الصلاة التي ألقاها المرحوم العلامة آية الله السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في الثالث عشر من شهر رمضان سنة 1397 هجرية في مسجد قائم في طهران، وتناول فيها الروايات والآيات التي تفيد أن الإتيان بالصلاة بشروطها الصحيحة تزيد من اليقين بالله والتحقق بمقام الوحدة وأنها توجب مغفرة الذنوب التي جاء بها وأنها أفضل الطرق إلى الله...
تأثير الصلاة في غفران الذنوب: ۲
4رواية عن لآلئ الأخبار (خمس عشرة خصلة للمصلي وخمس عشرة أخرى لتارك الصلاة)
وفي كتاب لآلئ الأخبار يروي مرسلاً عن النبيّ صلّى الله عليه وآله أنّه قال: "من صلّى الصلوات الخمس وأسبغ وضوءه (إسباغ الوضوء إتمامه والقيام به بنحو جيّد) وأتمّ ركوعها وسجودها أكرمه الله تعالى بخمس عشرة خصلة؛ ثلاثة في الدنيا، وثلاثة عند الموت، وثلاثة في القبر، وثلاثة في الحشر، وثلاثة عند الصراط (أي في مقام العرض يوم يتشرف بلقاء الله) أما الثلاثة التي في الدنيا فزاد عمره وماله وأهله" (أي يبارك في عمره ويبارك في ماله ويبارك في أهله، وهنا لدينا عنوان الازدياد أي إنّ الإنسان يحيا حياة يرضى فيها عن عمره ولا يرى نفسه مضطرباً، ولا يأسف على ما فات من عمره، وليس من الضروري أن يكون عمره طويلاً أيضاً، إذ من الممكن أن يكون العمر طويلاً ولكنّه خال من البركة، ومن الممكن أن يكون للإنسان مال كثير ولكنّه خال من البركة، و من الممكن أن يكون له أولاد كثر وهكذا... أما البركة فهي التي إذا ما تحققت وصلت خيراتها إلى الإنسان بشكل تامّ وكامل. وعلامتها هي أن يكون الإنسان مسروراً من أولاده وأهله وعياله.. مسروراً من ماله.. مسروراً من عمره الماضي.. مسروراً من المال الذي في حوزته.. لأنّه حصله من الطريق الحلال ويصرفه في الحلال، وهذا معنى البركة، ولازم حال المصلّي عناية من الله تعالى توصل هذه المعاني الثلاثة إليه .أما الثلاثة التي عند الموت فبراءة بالأمن من الخوف والفزع ودخول الجنة عند الموت بلا خوف ولا حزن، ويبشرونه بالجنة. هنا ورد الخوف و الحزن! الحزن يختلف عن الخوف، فالحزن على ما كان عند الإنسان ثم خسره، والخوف يرجع إلى الأشياء التي لم تصل إلى يده وهو قلق أنّها إن وصلت قد تقضي عليه. مثلا إذا سرق مال الإنسان فلا يقال إنّه خائف على ماله، بل هو حزين مغموم لذهاب ماله مغموم لمرضه، أما إذا احتمل أنّه سيُسرق فيما بعد فيقال إنّه خائف، أو إن علم أنّه سوف يمرض يقال إنّه خائف.الإنسان الذي يشرف على الخروج من الدنيا ويكون من المصلّين لا يخاف ولا يحزن لماذا؟ لأنّه حتى وإن كان سيخسر عمره الظاهريّ ويموت وينتقل إلى الحياة والنشأة الأخرى، إلا أنّه يعلم أنّ ما كان يملكه إنّما كان لله، والآن أيضاً هو يعطيه ويرجعه لله، فعمره أمانة من الله وإلى الله، منه أخذت وإليه تردّ، إذن هو لم يخسر شيئاً ليحزن عليه. هو يريد أن يذهب إلى عالم قد اكتسب الأنس والمعرفة فيه، فهو ليس غريباً لا في الدنيا ولا في ذاك العالم، لذلك ليس لديه أيّ خوف وقلبه مطمئن.بناء على ذلك فإنّ مقيم الصلاة الخارج من الدنيا يعطى في تلك الحالة خصالاً ثلاث:الأولى (والثانية): أن ينزع الله من قلبه الخوف والحزن، فالمصلّي عندما يحتضر يكون قلبه مطمئنّاً.. ثغره باسماً.. ووجهه غير منقبض، ولا ينظر إلى صفحة حياته السابقة ليرى الأموال التي حصّلها وأتلف عمره في تحصيلها، يراها بأمّ عينه تصل الآن إلى أيدي أعدائه! والحال أنّ المسكين هو الذي تعب في الدنيا و شقي لجمعها، فالتبعات عليه والمنافع لغيره، المصلّي لا يرى ذلك، بل هو مرتاح... فلا خوف... ولا حزن...الثالثة: بشارة الملائكة: أن تفضّلوا وادخلوا الجنة! {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}؛۱ أولئك الذين قالوا في الدنيا: ربّنا الله، وأصرّوا وصمدوا وقاوموا، تتنزّل عليهم ملائكة الرحمة أنْ لا قلق عليكم.. لا حزن عليكم.. لا خوف عليكم.. وبشارتكم هي الجنة التي وعدكم الله.هذه الخصال الثلاث التي تعطى عند الموت. إذن المصلّي يخرج من الدنيا سعيداً.. يعيش فيها سعيداً ويخرج منها سعيداً.أما عندما يوضع في قبره، وفي الليلة الأولى يأتيه منكر ونكير: (فيسهّل عليه سؤال منكر ونكير ويوسّع عليه قبره ويفتح له باب إلى الجنة) المزايا الثلاث التي يعطيها الله للمصلّي في قبره:الأولى: هي أنّ منكراً ونكيراً لا يسألانه، بل يقتصران فقط وفقط على سؤال واحد مختصر وبسيط، ونكير ومنكر يأتيان أيضاً بصورة جميلة غير قبيحة ولا مرعبة، لأنّ تجلّي منكر ونكير للشخص المصلّي تتناسب مع صفاته ومعتقداته، فيأتيانه بابتسامة ويقدّمان له أيضاً باقةً من الرياحين، ويتحدّثون معه قليلاً: هات أخبرنا يا عزيزنا من ربّك!؟ يقول: ماذا تسألونني!؟ أنا كنت متعلّقاً بربّي طوال عمري وكنت أبحث عنه، أنت تسألني عن ربّي؟! ربّي كذا وكذا، فيقولان له: أحسنت! جيّد! أهلا و مرحباً! مرحباً ! أهلاً وسهلاً! فلتَنم ههنا إنّه مكانك، نمْ نومة العروس في حجرتها، نم قرير العين، في أمان الله! هذا سؤال منكر ونكير.الثانية: يوسّع عليه قبره، طبعاً القبر البرزخيّ ها! فكلّ ذلك في عالم البرزخ! يعني يحدث في عالم الصورة! فيوسِعون قبره مدّ بصره، فبالمقدار الذي تستطيع عينه أن تبصر ويسطُع نورها يتّسع القبر في تلك اللحظة وبثانية واحدة.الثالثة: يفتح لقبره باب إلى الجنّة، فحتى مع كونه لا يدخل الجنّة الآن، ولكنّه يرى من خلال هذا الباب تلك المواهب السنيّة التي أعدّها له الله العليّ الأعلى، ودائماً يهب عليه من ذلك الباب نسيم الجنّة. وهذه هي الخصال التي تعطى في القبر.وأمّا الخصال الثلاث التي تعطى له عند الخروج من القبر والحضور في المحشر:فيخرج من القبر متلألئاً وجهه كالقمر ليلة البدر، ويؤتى كتابَه بيمينه، ويحاسب حساباً يسيراً، فبمجرّد أن يخرج رأسه من القبر، فإنّ وجهه يسطع فينير له كلّ عالم المحشر.هذا نور الصلاة، ها..! نور الصلاة! {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}؛٢ كالبدر ليلة التمام، بدر في الليلة الرابعة عشرة، كيف يضيء البدر السماء؟! كذلك نور وجه المصلّي يضيء المحشر.ويعطى صحيفة عمله من الجانب الأيمن أي من طرف أصحاب اليمين من ناحية السعداء، فتصل إلى يده من ناحية الجنّة.ويُسأل سؤالاً سهلاً يسيراً قبل الذهاب إلى الجنة، ويحاسب حساباً يسيراً، وبسهولة يسمحون له بالمرور، لا يعطّلونه في الحشر، فتلك الخمسون ألف سنة لا تمرّ عليه خمسين ألف سنة، من الممكن أن تكون لحظة واحدة أو لحظتين وينتهي حسابه ويذهب.وأما الثلاثة التي عند لقاء الله: فرضا الله تعالى عنه.. والسلام عليه.. والنظر إليه..فالخصال الثلاث للمصلّي في مقام العرض على الله هي أنّه ما إن يذهب إلى الله حتّى يسلّم الله عليه! نعم يسلّم عليه، الله..! {سَلَامٌ قَوْلاً مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}؛٣ ويقول الله أيضاً: يا عبدي أنا راض عنك {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً}؛٤ تفضل أنا راض عنك.. و ينظر إليه بعين الرحمة ويكلّمه ويتحدّث معه.حتما الكلام لا يعني أن لله لساناً! بل هو الكلام اللائق بساحته المقدسة والمتناسب مع القداسة الإلهية، ولدينا في الآية المباركة: {سَلَامٌ قَوْلاً مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} و {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} هذه هي الخصال الخمسة عشر التي تعطى للمصلّي. التفتّم جيداً؟! الشباب الأعزاء، وكذلك أنتم أحبائي الصغار هل التفتّم جيداً؟! إذا سألتكم يمكن أن تجيبوا؟ نعم..؟ إذا عاد أحدكم إلى البيت فليبيّن لوالده.. لعمّه.. لأمّه.. لأخيه...!أما إذا لم يكن الإنسان من المصلّين، وكان يترك الصلاة عمداً ويستخفّ بها ولا يبالي لشأنها:عاقبه الله على خمس عشرة خصلة! (وابتلاه الله بخمس عشرة خصلة!) ثلاثة في الدنيا وثلاثة عند الموت وثلاثة في القبر وثلاثة في الحشر عند الخروج من القبر وثلاثة في عالم العرض عند لقاء الله.ثلاثة في الدنيا فيرفع البركة من رزقه ومن عمره وسيماء الصالحين من وجهه .أمّا المصائب الثلاث التي يبتلى بها في الدنيا: فلا يرى من عمره الخير والبركة.ولفظ البركة هذا يستحقّ أن نغوص ونتعمّق في معناه. تأمّلوا حالة الناس في آخر الزمان، كيف يستخفّون بالصلاة ولا يبالون بها، فذهبت البركة من العمر والحياة.ما معنى ذهاب البركة من العمر؟ ما معناه؟ ما معناه؟! هل يعني أنّ الإنسان لا يعود بإمكانه أن يتنزّه؟! أو أنّه لا يروّح عن نفسه؟! أو أنّه مثلاً لا يذهب إلى الأماكن ذات الهواء المعتدل والماء اللطيف؟! أو أنّه لا يدّخر المال الكثير؟! لا.. فذهاب البركة ليس بذلك، بل إنّنا نجد الإنسان يقوم بذلك أضعاف ما كان يقوم به فيما مضى بمئات المرات.. ولكنّ العمر كلّه خال من البركة، ولا فائدة فيه، العمر لا يقدّم للإنسان أيّة نتيجة فهو بلا فائدة، فالإنسان لا يحصل طوال عمره على أيّة مصلحة ومنفعة.الذين يسعون وراء المادّيات وتحصيل علومها، يجب عليهم أن يقضوا أربعين إلى خمسين سنة من أعمارهم في الدراسة لينالوا شهادة الدكتوراه، وبعد ذلك يفتحون عيادة، وبعد ذلك وفي هذا السن، يريدون لتوّهم أن يتزوجوا!! وكم سنة سيعيشون بعد ذلك؟ ؟ مائة وعشرين سنة؟؟ مائة وأربعين سنة؟! لا يا سيدي..! بل لا يتجاوز السنة أو السنتين وإذا به قد مات! هذا مجرّد عنوان! فالإنسان يمشي ولا يحسب هذه الحسابات.. فقد مضت أعوام وأحقاب على الناس وهم لا زالوا يصرفون أعمارهم على تحصيل المقدّمات وجمعها وتأمينها، يخالون أنّهم سوف يستقرون بعد تحصيلها!!! لا.. فهم غافلون عن أنّ الموت سيداهمهم، و قد نسوا ذا المقدمة!! حتّى تأتيهم المنيّة ولم يدركوا ما أمّلوا بعد.. فذهبت البركة. هذا كلّه إذا كان الهدف الذي يتعبون لأجله صحيحاً! وأمّا ـ لا سمح الله ـ إذا كان الهدف المطلوب غير صحيح فهو له قصّة أخرى ونتائج مرعبة جداً!!هكذا تذهب البركة من الأعمار، فتنقضي واليد خالية خاوية.. فتذهب البركة من أهله، وتذهب البركة من زوجته وأولاده.. تدرون ما معنى ذلك؟ يعني: تكون لديه زوجة إلا أنّها ليست له!! فهو متزوّج ولكن زوجته لا تحبّه، يعني هي زوجة بالاسم، الزوجة في غرفتها وهو في غرفته.. كذلك يكون لديه أولاد.. أولاده لا يحبّونه، فالولد يريد أباه لماله، ولا معنى للعاطفة بينهما إلا ذلك، فلا بركة فيه، فيؤخذ منه جميع ذلك. لقد ذاق العذاب في الدنيا وبذل جهداً كبيراً حتى صار ذا زوجة وأولاد، إلا أنّهم أصبحوا أعداء لروحه، يتربصون به ريب المنون ليستفيدوا ممّا تبقّى من أمواله.و سيماء الصالحين من وجهه (التألّق والنورانيّة الباديان على وجوه المصلّين، فالله العليّ الأعلى ينزعهما منه) فوجوههم مكدّرة، أنتم لاحظوا كلّ شخص لا يصلّي فإنّ في وجهه ظلمة خاصّة، حتّى وإنْ كان أجمل مَن في الدنيا، فإنّ في وجهه ظلمة خاصّة وكدورة خاصّة، أمّا المصلّون فليسوا كذلك، ولو كانوا لا يتمتّعون بالجمال، بل حتى لو كانوا بلالاً الحبشيّ فإنّ لهم نورانيّة خاصّة بحيث أنّ الإنسان عندما يتحدّث معهم لا يشعر بالتعب والملل.أما الخصال الثلاث التي تعطى لتارك الصلاة عند الموت:فيموت جائعاً وعطشاً وذليلاً..لقد طوى عمراً كاملاً، وراء أيّ شيء كان يلهث؟ وراء نواياه وآماله، وكلّما كان يتوغّل كان يزداد عطشاً، والآن يقال له: كلّ ما جمعته يجب أن تتركه، وأنت تحسّ بالعطش والجوع، هكذا يجب أن تمضيَ.. وأنت ذليل.. لا نصيب لك من شيء، ودّع بدون شعور بأيّة عزة.أمّا الخصال الثلاث التي تعطى له في القبر: فيضيق قبرُه حتى يدخل أضلاعه بعضها في بعض ويسلّط عليه الحيات والعقارب ويفتح له باب من النار.أي يصبح قبره ضيّقاً إلى حدّ أنّه تتداخل الأضلاع وعظام الكتف والأعضاء بعضها في بعض! وحتماً كلّ ذلك كناية عن ضيق عالم البرزخ والصورة لا هذا القبر الظاهريّ. هذه هي الخصلة الأولى.الثانية: منكر و نكير يشدّدان عليه السؤال.أما الخصال الثلاث التي يمنى بها عند الحشر والخروج من القبر: فيخرج مسودّ الوجه ومكتوب في وجهه هذا آيس من رحمة الله تعالى ويؤتى الكتاب من وراء ظهره.أي إذا خرج من القبر كان أسود الوجه ، وهذه هي الخصلة الأولى.الثانية: يكتب على وجهه وجبينه أنّ هذا الرجل آيس من رحمة الله، لم يقم بعمل للّه.الثالثة: يؤتى كتاب أعماله من وراء ظهره أي من ناحية الشقاء ومن جهة جهنّم.وأما الخصال الثلاث عند لقاء الله:فلا يكلمه الله ولا ينظر إليه يوم القيامة ولا يزكّيه وله عذاب أليم.يقول الله: ليس بينك وبيننا أيّة علاقة ولا رابط، ولكَم دعوناك في الدنيا أن أقبل! فلم تعتن، بل قطعت صلتك، فاليوم لا صلة بيننا وبينك، و العذاب في الجحيم في غاية الصعوبة عليك، صعب جداً ! إنّه عذاب مؤذٍ للغاية!والآن هذه هي نتيجة المصلّي وتلك أيضاً نتيجة تارك الصلاة!
- سورة فصلت (٤۱)، الآية ٣۰.
- سورة الحديد (٥۷)، الآية ۱٢.
- سورة يس (٣٦)، الآية ٥۸.
- سورة الفجر (۸٩)، الآية ٢۸.
