
تأثير الصلاة في غفران الذنوب: 2
وهي المحاضرة الثانية حول الصلاة التي ألقاها المرحوم العلامة آية الله السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في الثالث عشر من شهر رمضان سنة 1397 هجرية في مسجد قائم في طهران، وتناول فيها الروايات والآيات التي تفيد أن الإتيان بالصلاة بشروطها الصحيحة تزيد من اليقين بالله والتحقق بمقام الوحدة وأنها توجب مغفرة الذنوب التي جاء بها وأنها أفضل الطرق إلى الله...
تأثير الصلاة في غفران الذنوب: ۲
2أعوذُ بالله منَ الشيطانِ الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين
ولعنةُ الله على أَعدائِهم أجمَعين
قال الله الحكيم في كتابه الكريم:
{وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ}۱
صلّوا على محمّد وآل محمّد.
خلاصة لما تقدّم
لقد ذكرنا أمس بعض المطالب والتوضيحات حول تفسير هذه الآية المباركة، وكان خلاصتها أنّ الذنوب والأعمال التي يقوم بها الإنسان في الدرجات المختلفة، تغفر وتنمحي وتنعدم بنفسها، بمجرّد أن يعبر من مرتبة من مراتب اليقين والتوحيد إلى مرتبة أخرى أرفع منها. كما تقدّم أنّ مما يوجب زيادة اليقين والتوجّه إلى الله والتحقّق بمقام التوحيد هو الصلاة، بناء على ذلك فإذا أقيمت الصلاة وفق الشرائط الصحيحة، فإنّها ستكون موجبة لغفران جميع ما سبق من الذنوب.
أدلّة وشواهد روائيّة وقرآنية
رواية عن أمالي الطوسي (العلم باطّلاع الله سبب للمغفرة)
يروي الشيخ الطوسي في "الأمالي" عن محمد بن مسعر أنّه قال: كنت عند سفيان بن عيينة، فجاءه رجل وقال: "رويَ عن رسول الله أن الإنسان إذا أذنب وعلم أنّ الله مطّلع على ذنبه غفر الله ذنبه" فهل هذه الرواية صحيحة؟ قال سفيان بن عيينة: نعم هي كذلك وشاهدها في كتاب الله حيث يقول: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ ، وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}؛٢ فإذا كان الظنّ هو المردي كان ضدّه هو المنجي.وهذه الآية التي استشهد بها سفيان بن عيينة على هذا المطلب هي في سورة فصّلت، وقد وردت في هذا السياق: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ}؛٣ أي سيأتي يومٌ يحشر فيه أعداء الله ويساقون نحو جهنّم ونيرانها! و يتوجّهون جماعات جماعات نحوها: {حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}؛٤ وعندما يتجهون نحوها ويقتربون منها تشهد آذانهم وعيونهم وجلودهم ولحوم أبدانهم على أعمالهم القبيحة التي اقترفوها في الدنيا. {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}؛٥ فهؤلاء يتوجّهون إلى جلود أبدانهم ويقولون: لمَ شهدتم علينا يا جلود أبداننا وأوصلتمونا إلى هذا المأزق؟! فأنتم في النهاية جلود أبداننا نحن! أنتم من متعلقاتنا! فتجيب الجلود إنّ الله أنطقنا وجعلنا نتكلم، فذلك الإله الذي أنطق وينطق كلّ الموجودات، أي الإله الذي أوجدكم والذي مبدؤكم منه ومرجعكم إليه هو الذي أنطقنا. {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ}؛ اليوم هو اليوم الذي لا تستطيعون فيه إخفاء الأعمال التي قمتم بها وأخفيتموها، فآذانكم وعيونكم وجلودكم لا يمكنها أن تمتنع عن إظهار تلك الأعمال التي اقترفتموها. {وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ}؛.ففي الدنيا كنتم تظنّون أنّ الله غافل عن كثير من أعمالكم القبيحة وأنّه غير مطّلع عليها {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ}؛٦ ونفس ذلك الظنّ الذي ظننتموه بربّكم وحسبتم أنّه لا يعلم ما تصنعون وأنّه لا يجد سبيلا للإطلاع عليكم، هذا الظنّ الذي ظننتموه هو الذي هبط بكم إلى تلك المنزلة الدنيّة والمقام الخسيس، وفي النتيجة أصبحتم من الخاسرين.فحينما يكون الظنّ بعدم علم الله موجباً لهلاك الإنسان، فعكس ذلك أعني الظنّ أو اليقين بأنّ الله عالِمٌ سيكون سبباً لحياة الإنسان وسعادته.والإشارة اللطيفة الكامنة في هذه الآية المباركة هي أنّه بعد الفراغ عن أنّ الأعين والآذان والجلود تشهد بالذنب يوم القيامة، وتثبت الذنوب، ولا تدع للإنسان مجالا كي ينكر أو يتملّص، وبالتالي تحتِّم عليه المضيّ إلى جهنّم، بعد إثبات كل ذلك، نجد أنّ الآيات المباركة لا تجعل ارتكاب الذنوب واقترافها هو العلّة في الدخول إلى جهنّم!! فهي لا تقول: إنّ دخولكم إلى جهنّم كان بسبب الذنب الذي اقترفتموه، وأنّ الدليل على ذلك هو شهادة الجلد والعين والأذن على أفعالكم القبيحة.. لا لم يقل القرآن ذلك، وإنّما نسب العلّة والسبب في دخول جهنّم إلى أنّكم كنتم في الدنيا تظنّون بأنّ الله لا يعلم، وأنّه لا خبر له عن ذنوبكم، لقد كان شرككم وجهلكم بمقام التوحيد هو العلة في ورود جهنّم.ومن هنا فعندما يكون عدم العلم وعدم المعرفة موجباً للسير نحو جهنّم، فسيكون ضده هو المنجي، فالعلم بأنّ الله يعلم.. العلم بأنّ الله قاهر.. العلم بأنّ الله مسيطر ومطلع ـ وهذا هو نفس العلم بالتوحيد والمعرفة بذات الله المقدّسة وأسمائه الحسنى ـ هذا العلم سيكون السبب المستوجب لنجاة الإنسان وفوزه.ثم يستشهد سفيان بن عيينة بهذه الآية: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ}؛۷ أي الحسنات تغسل السيّئات وتعدمها، ومقام المعرفة وتوحيد الله هو أعلى درجة من الحسنات، وفي هذا المقام لا تتمكن أيّة سيّئة من المواجهة والمقاومة وإظهار الوجود، فبناءً على ذلك، بمجرد أن تخرج روح المؤمن من مراتب الشرك والثنويّة والرؤية بمنظارين، وتُقبل على مرحلة التوحيد، فستختفي كلّ الذنوب من تلقاء نفسها، فالتوحيد يكفّر سيئات الإنسان ويغفر ذنوبه ويسترها.
- سورة هود (۱۱)،آية ۱۱٤.
- سورة فصلت (٤۱)، اللآيات ٢٢ الي ٢٣.
- المصدر السابق، الآية ۱٩.
- المصدر السابق، الآية ٢۰.
- المصدر السابق، الآية ٢۱.
- سورة فصلت (٤۱)، الآية ٢٣.
- سورة هود (۱۱)، قسم من الآية ۱۱٤.
