
الميزان في تقييم العمل
أهم عناوين المحاضرة: 1 الألفاظ وضعت للمعاني العامّة، 2 ما هو ميزان الأمور المعنوية، 3 أمير المؤمنين هو المعنى الحقيقي للميزان، 4 أمير المؤمنين ميزان العفة و ميزان العفو و التسامح، 5 أمير المؤمنين ميزان العدل و حفظ الحقوق، 6 أمير المؤمنين ميزان الخشوع لله و ميزان الفداء في سبيله، 7 ظهور فضائل أمير المؤمنين رغم سعي أعدائه لمنع ذلك، 8 تشييع و دفن الأمير طبقا لوصيته.
الميزان في تقييم العمل
6فتقايس عفّته على عفّة أمير المؤمنين وتزان على أساسها، ليلاحظ إلى أيّ حدٍّ هي قريبة منها، وليرى ما إنْ كان تسامحه وعفوه قريباً من تجاوز وعفو أمير المؤمنين.
أيّ تجاوز كان لدى أمير المؤمنين وأيّ عفو؟!
إنّ حياة أمير المؤمنين بجميع مراحلها تمثّل التجاوز المحض والإحسان الخالص، فقد كان عينَ التضحية، ففي ليلة المبيت...
(في ليلة المبيت) كان قد نام مكان النّبيّ.. وفداه بنفسه.. ولا يستطيع أحدٌ أن يتخيّل صدور هكذا نوع من التضحية والفداء من نفسه،۱ وكان في جميع حياة النّبيّ المسامح الأوّل والمضحيّ الأكبر.
وكذلك بعدَ رسول الله، حيثُ غضّ النّظر عن حقّه الشّخصيّ من الرياسة والحكومة، وقعدَ في بيته لمدّة خمس وعشرين سنة، كلّ ذلك حفظاً للإسلام، فجلس دون أيّ إقدام أو مبادرة.. ودون أيّ انتفاضة أو ثورة.. حيث كانوا قد عرضوا عليه الكثيرَ في تلك الأيّام الصّعبة التي واجهته وكانوا يقولون له: يا أمير المؤمنين مدّ يدَك لنبايعك، انهض و ثُرْ، كفى بك قعوداً وإعراضاً، قمْ وخذْ حقّك...
إلا أنّه لم يهتزّ أبداً، ولم يعبأ بكلّ ذلك، لأنّه كان من الواضح كالشّمس أنّ هذا القيام سيكون على حساب الإسلام، ولا بدّ من الصبر والتّجاوز حتى يبقى دين النبيّ، وسوف لن تكون هذه الثورة موفّقة ومثمرة، بل هي لصالح أولئك الأشرار المعاندين، الذين يتربّصون بأمير المؤمنين الدوائر، ويترصّدون هزيمته، بل وهزيمة النّبي والإسلام، فما كان من أمير المؤمنين إلا أن تجاوز عن حقّه عملاً بوصية رسول الله، وحفظاً للقرآن، وحفظاً للإسلام.
فكانت حياته في غاية الصعوبة وفي أعلى درجات المحنة، تماماً كحياة سلطان من السلاطين أو ملِك من الملوك، حينما يبعدونه ويعزلونه، ولا يبقون معه واحداً، من جنوده فأمير المؤمنين لمدّة خمس وعشرين سنة كان يعيش في مثل هذه الظروف، ثم بعد ذلك وصلَ إلى الخلافة الظاهريّة.. فأيّ عفوٍ هذا وأيّ حِلم! وأيّ تجاوز وتسامح! إنّه في الواقع يبهتُ عقلَ الإنسان على مدى كلّ التاريخ.
كذلك واقعة الجمل وعفوه عن عائشة، وهو ما حيّر جميع العلماء وأدهش العظماء، وكذلك تضحيته، وحلمه وصبره.٢
- تاريخ اليعقوبيّ، ج ٢، ص ٣٩؛ دلائل النبوّة، ج ٢، ص ٤٦۷ ـ ٤٦۸؛ أُسد الغابة، ج ٣، ص ٥٩٢. ولمزيد من الاطّلاع، راجع: معرفة الإمام، ج ۱، ص ۱٣۱.
- الجمل والنصرة، ص ٣٦۸ ـ ٣۸۰؛ وقعة الجمل، ص ۱٣٥ ـ ۱٥۱.
