
الجبر والاختيار ومنطق عائشة في حرب الجمل
محاضرة للمرحوم العلامة السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني قدس الله نفسه الزكية وقد ألقيت في مشهد، وهي تشتمل على مبدأ الجبر والاختيار الذي تسلحت به عائشة في تبريرها لحرب الجمل، وأننا قد نتبنى هذا المنطق بعينه في بعض الأحيان، ويوضح غفلة الإنسان عن حقيقة انتساب الأفعال إلى الله، ورؤية أن إرادته هي الحاكمة على الأمور، ثم يجيب بأن تلك الرؤية مغالطة.
الجبر والاختيار ومنطق عائشة في حرب الجمل
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين
ولعنة الله على أعدائهم أجمعين
منطق عائشة وشيوعه
قالت عائشة له: لمَ تزوّج أبوك أمّك؟
قال: نعم!
قالت: لأيّ سبب تزوّجها؟
قال: كان تقدير الله.
قالت: وكان ذلك من قدر الله.
هذا المطلب موجود في كتاب كنز العمّال، وبعد جوابها هذا لم ينطق ذلك الشخص بكلمة۱
وموضع الشاهد في الكلام هو: منطق عائشة بعنوانه جواباً، فهو منطق احتلّ فكر الكثير من خواصّ المسلمين وعوامّهم، من خلال تبرير تصرّفاتهم على أنّها أمر واقع، وغير خارج عن التقدير الإلهيّ، فيلجؤون إلى هذا المنطق لرفع المسؤوليّة عن أنفسهم في الأمور المندرجة تحت اختيارهم وإرادتهم.
ونحن نرى هذا المنطق سارياً في كلام أبي بكر وعمر ومعاوية وجميع حكّام بني أميّة وبني مروان وبني العبّاس طوال مدّة حكومتهم، بادّعاء أنّ هذه السلطنة وهذه الحكومة، وبتبعها جميع الأعمال التي يقومون بها، كلّها على أساس التقدير الإلهي، وعلى هذا الأساس فهم لا يكتفون بمجرّد رفع المسؤوليّة، وإنّما يصحّحون أعمالهم ويستكشفون إمضاءها وصحّتها أيضاً.
مناقشة هذا المنطق
والآن لنا أن نسأل: هل أنّ منطق عائشة ـ وبتبعه ذاك المنطق الكليّ ـ صحيح أم لا؟ وبناء على صحّته سوف تكون حرب عائشة ضدّ أمير المؤمنين مقدّرة من الله، وحيث أنّه لا يصدر شيء في العالم بدون الإرادة والتقدير الإلهيّين، فلازم ذلك تصحيح ما يقع من الأفعال! لأنّه كان عين التقدير الإلهيّ، وهو فعل صحيح أيضاً ولا يؤاخذ عليه.
حسناً، يقول ذلك الرجل: إنّ عليّ بن أبي طالب هو أقرب الناس إلى رسول الله وأحبّهم إليه حتّى باعتراف عائشة نفسها، إذنْ لماذا خضتِ ضدّه حرباً يا عائشة؟!
فتقول عائشة: ألم يتزوّج أبوك من أمّك؟ فلماذا تزوّجا؟
يقول: هكذا تزوّجا! حدث شيء فتزوّجا، وهو تقدير الله.
فتقول: كذلك ما فعلته أنا، هو تقدير الله، تماماً كما أنّك لا تستطيع أن تستشكل على زواج أمّك من أبيك، كذلك ينبغي أن لا توردَ عليّ شيئاً أيضاً!
ونحن كذلك، هناك الكثير من الأفعال التي نقوم بها، هي من هذا القبيل، نبرّر لأنفسنا ونقول: سيّد! ما حدث هو تقدير الله.. كان مشيئة الله.. قد وقع ذلك وحدث.. وحيث أنّه فعل الله، فعل الله وتقديره، نكون قد أخرجنا أنفسنا من دائرة المؤاخذة والمسؤوليّة.
- كنز العمّال ـ المتّقي الهندي الجزء ۱۱ صفحة ٣٣٤،وقد ورد نصّ الحوار بينهما هكذا: عن عروة قال: قلت لعائشة: من كان أحب الناس إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قالت: عليّ بن أبي طالب؛ قلت: أيّ شيء كان سبب خروجك عليه؟ قالت: لمَ تزوّج أبوك أمّك؟ قلت: ذلك من قدر الله،قالت: وكان ذلك من قدر الله.
