
فضيلة ليلة القدر
وهي محاضرة ألقاها المرحوم العلامة آية الله السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في الليلة التاسعة عشر من شهر رمضان سنة 1397 هجرية في مسجد قائم في طهران، وقد تناول فيها تفسير وشرح سورة القدر وأن القرآن قد نزل مرتين مرة بشكل دفعي في ليلة القدر ومرة أخرى تدريجي في سائر المناسبات، وأن القدر يعني التقدير من عالم الملكوت إلى عالم الطبع، ومعنى كونها خيراً من ألف شهر، وأنها سلام حتى مطلع الفجر... وقد قدّم لها سماحة السيد محمد محسن الطهراني قدس سره بمقدمة ذكر فيها بعض الوصايا حول شهر رمضان وكيفية الاستفادة القصوى منه...
فضيلة ليلة القدر
9فلهذه الموجودات الكائنة في هذا العالم أصل خاص، وذلك الأصل ينزل من عالم المعنى إلى عالم الملكوت، ومن عالم الملكوت ينزل إلى عالم الملكوت السفليّ و الذي هو عالم الصورة و المنفصل عن التشخّص و التعيّن، ثمّ منه يتنزّل أكثر ليظهر التشخّص، وهو ما يطلق عليه السماء الدنيا، يعني: ذلك الملكوت الذي هو أدنى من كلّ ملكوت، وليس هناك ما هو أدنى منه في التشخّص، إذا نزلنا إلى الأسفل نجد هذه الموجودات الخارجيّة، ولذا لدينا في بعض الروايات أنّ ليلة القدر إمّا ليلة التاسع عشر أو الواحد و العشرين أو الثالث و العشرين، ويفسرون ذلك بأنّ: أصل النزول في ليلة التاسع عشر و الإبرام و الإحكام في ليلة الحادي و العشرين، و الإمضاء في ليلة الثالث و العشرين، أي في ليلة الثالث و العشرين ينتهي الأمر، فكلّ شيء أُمضي سيكون كما هو، وهذا المعنى هو نتيجة الجمع بين الروايات حيث ذكر بعضها ليلة التاسع عشر أو ليلة الحادي و العشرين أو ليلة الثالث و العشرين كما على أيّ أساس البعض الآخر عدّها جميعاً ليلة القدر، فقالوا: عليكم الاشتغال بالعبادة في كلّ هذه الليالي لأنّ تلك الليلة ليلة شريفة و ليلة تقدير.
كلّ هذه الخصوصيّات تتنزّل من ذلك العالم إلى الإمام عليه السلام في خطوة أولى ـ وإن كانت حقيقة ذلك العالم هي من الإمام أيضاً ـ ولكن هذا العالم يتنزل على قلب الإمام، تماماً كما أنّ النبيّ الأكرم هو حقيقة القرآن، ولكن القرآن ينزل من مقام حقيقته ذاك على قلبهـ ثمّ تنزل المقدّرات مرة أخرى إلى السماء الدنيا، و السماء الدنيا هي: نفس عالم الصورة و التصوّرات و برزخ الإمام و مثاله عليه السلام، وهذا العالم كبير جدّاً؛ فهو يفوق هذا العالم الذي نعيش فيه بمئات الأضعاف، وفيه العجائب و الغرائب، فالملكات فيه لها شكلها الخاصّ، كيفيّة الحوارات هناك في غاية الغرابة، وكيفيّة نزول ذلك على الإمام أمر عظيم. ويدرك هذه المعاني أولئك الذين وصلوا إلى مقام الإمامة أو إلى مقام كمال التقوى فصارت الملائكة تتنزل عليهم كما تشير الآية الشريفة:{إِنَّ الَّذينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتي كُنْتُمْ تُوعَدُون ، نحَنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فىِ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَ فىِ الاَخِرَة}.۱
- سورة فصلت (٤٤)، الآيات ٣۰ الي ٣۱.
