
فضيلة ليلة القدر
وهي محاضرة ألقاها المرحوم العلامة آية الله السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في الليلة التاسعة عشر من شهر رمضان سنة 1397 هجرية في مسجد قائم في طهران، وقد تناول فيها تفسير وشرح سورة القدر وأن القرآن قد نزل مرتين مرة بشكل دفعي في ليلة القدر ومرة أخرى تدريجي في سائر المناسبات، وأن القدر يعني التقدير من عالم الملكوت إلى عالم الطبع، ومعنى كونها خيراً من ألف شهر، وأنها سلام حتى مطلع الفجر... وقد قدّم لها سماحة السيد محمد محسن الطهراني قدس سره بمقدمة ذكر فيها بعض الوصايا حول شهر رمضان وكيفية الاستفادة القصوى منه...
فضيلة ليلة القدر
15ليلة القدر ومصائب أهل البيت علهم السلام
ما معنى: نحن جعلنا لهم ليلة القدر؟ يعني: نحن فتحنا أعين الإمام الحسن و الإمام الحسين ولداك على ذلك العالم، وعندما فتحنا أعينهم على ذلك العالم أصبحت نعم عالم الدنيا عندهم تعادل صفراً بالقياس إلى ذلك العالم، إنّ المشقّات و المصائب التي سيرونها في هذه الدنيا لأجل رضا الله هي لذة و بهجة بالنسبة لهم، فهم سيمضون إلى الجهاد، لا أنّ الجهاد سيأتي إليهم. سيذهبون نحو الإنفاق و الأخذ بأيدي الضعفاء و الأيتام، لا أنّهم سيُأخذون بالحياء عندما يعرض الناس حاجاتهم و مضائقهم عليهم، لا! فذلك الذي فتح عينيه على أسرار عالم الملكوت، لن يرى بعدها للدنيا أيّة قيمة، و واقعاً الأمر هو كذلك.
ففي النتيجة عندما يصل إلى يد الإنسان حجر فيروز من الفيروز النيشابوري الدرجة الأولى، حيث يقدّر كلّ قيراط منه بمبالغ طائلة من المال، وعندما يعلم بقيمتها، فهل سيفرّط بها؟! وهل سيذهب إلى سوق الأحجار الكريمة، ليبيعها إلى تاجر ربما وضعها في رقبة حيوان، أو باعها في خاتم؟!
إذا فعل ذلك فهو مخطئ في ذهابه. فمن كان لديه اللحم المذبوح الطاهر و الخالص اللذيذ، لا يطلب الميتة و الجيفة، فالجيفة للكلاب، الذين لا يتوفّر لديهم اللحم الطيّب والطاهر، وليس لديهم الحسّ لإدراك قذارة ذلك اللحم، وأنّه ليس بطعام.
إنّ الرئاسات الدنيويّة، والشهوات الماديّة، واللذات الدنيويّة المنغمسة في المعاصي هي كلّها للذين لم يشمّوا رائحةً من عالم الملكوت، و لم تصلهم تلك الرحمة، ولكن إذا فتحت نافذة من ذلك العالم إلى القلب، فإنّهم لن يتوجّهوا نحو ألف ألف ضعف من هذه المعاصي، ولذا نرى أنّ الله قد قدّر لنبيّه صلى الله عليه وآله ما قدّر من البلاء مع أنّه أفضل موجود، و يشير أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة أن انظروا أيّها المنصفون، ماذا قدّر الله لنبيه؟! فلو كان شرّاً لم يكن الله ليقدّره لأفضل موجود، و لزهرة عالم الوجود و حبيبه. ولكن حيث أنّه قدّرها له فاعلموا أنّ أولئك الذين بسطوا الدنيا لأنفسهم و انغمسوا في الشهوات و الغفلات فإنّهم يعيشون في النكبة و الظلمة۱. فليس أساس الحياة هو الأكل و الشرب و ملء البطن و النوم و الشخير. إنّ هذه حياة الحيوانات، و للإنسان حياة أخرى مبنيّة على أساس من الشرف و الفضيلة، فإذا أراد الله للإنسان أن يقع في المصائب و البلايا، فليس من مشكلة، وإذا ما أراد أن يُقتل في سبيل الله فلا ضير، وفي النهاية سيرجع الناس إلى الله إمّا بهذه الصورة أو بتلك الصورة.
- شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد - ج ٩ - ص ٢٢٩
"ولقد كان في رسول الله صلى الله عليه وسلم كاف لك في الأسوة، ودليل لك على ذم الدنيا وعيبها، وكثرة مخازيها ومساويها، إذ قبضت عنه أطرافها ووطئت لغيره أكنافها، وفطم عن رضاعها، وزوى عن زخارفها ... "
"ولقد كان في رسول الله صلى الله عليه وآله ما يدلك على مساوئ الدنيا وعيوبها، إذ جاع فيها مع خاصته، وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته، فلينظر ناظر بعقله: أكرم الله محمدا صلى الله عليه وسلم بذلك أم أهانه ! فإن قال: " أهانه " فقد كذب والله العظيم بالإفك العظيم، وإن قال: " أكرمه " فليعلم أن الله قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له، وزواها عن أقرب الناس منه، فتأسى متأس بنبيه، واقتص أثره وولج مولجه، وإلا فلا يأمن الهلكة ... ."
- شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد - ج ٩ - ص ٢٢٩
