
فضيلة ليلة القدر
وهي محاضرة ألقاها المرحوم العلامة آية الله السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في الليلة التاسعة عشر من شهر رمضان سنة 1397 هجرية في مسجد قائم في طهران، وقد تناول فيها تفسير وشرح سورة القدر وأن القرآن قد نزل مرتين مرة بشكل دفعي في ليلة القدر ومرة أخرى تدريجي في سائر المناسبات، وأن القدر يعني التقدير من عالم الملكوت إلى عالم الطبع، ومعنى كونها خيراً من ألف شهر، وأنها سلام حتى مطلع الفجر... وقد قدّم لها سماحة السيد محمد محسن الطهراني قدس سره بمقدمة ذكر فيها بعض الوصايا حول شهر رمضان وكيفية الاستفادة القصوى منه...
فضيلة ليلة القدر
10أي: أولئك الذين آمنوا و استقاموا على أساس الإيمان، تتنزل عليهم الملائكة تخاطبهم أن لا تحزنوا ولا تخافوا، فقد اتصلوا بالقَدَر واطّلعوا على عالم القَدَر وعلى سرّ القَدَر لأنّنا قلنا : {فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ}؛۱ ومن يطّلع على سرّ القَدَر لا يحزن على شيء ضاع من يده، ولا يفرح بما يصل إليه، لأنّه يعلم أنّه ليس بيده شيء، بل كلّ شيء بيد الله عزّ وجلّ، فلا يتدخّل بمقدار رأس الإبرة، هؤلاء هم الذين أصرّوا على الإيمان و على الاستقامة، إنّ الملائكة تتنزّل عليهم و تبشّرهم بهذين الأمرين: {أَلاَّ تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا} لا خوف ولا حزن، وهذه هي المسألة، يُطلعونهم على عالم القَدَر، ويكشفون لهم عن تنزّل القَدَر، ثم يطمئنونهم أن: نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا و في الآخرة، نحن ملائكة السماء و ملائكة عالم القدس نحن أولياؤكم، نحبّكم و نرأف بكم، و كلّ ما بوسعنا نجعله تحت اختياركم، وكلّ ما تحتاجونه نلبّيه لكم.
و من هذه الآية يُستفاد أنّ الوصول إلى مقام الإيمان و الاستقامة في الإيمان ملازم لرؤية الملائكة و بالأخص في ليلة القَدر.
{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فىِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ} لقد أنزل القرآن في ليلة القدر، أنزلناه على النبيّ في هذه الليلة، وما أعجبها من ليلة مباركة:{إِنَّا أَنزَلْنَهُ فىِ لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ}، نحن أنزلنا القرآن في ليلة مباركة كثيرة الخير والبركة، {وَ مَا أَدْرَيكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}، فهل تعلم يا رسول الله ما هي ليلة القدر هذه؟ فالأمر مهمّ جداً! {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}، هذه ليلة واحدة تفوق ألف شهر في فضلها، كيف يمكن لليلةٍ أن تكون أفضل من ألف شهر؟! لقد رأيتم خلال فترات حياتكم أنّ هناك بعض اللحظات التي تمرّ عليكم قد تفوق بكيفيّتها و ما فيها من مسرّات و لذّات كامل مدّة عمركم.
معنى كون ليلة القدر خيراً من ألف شهر
وأما معنى أنّ {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} فقد رأى رسول الله بعض أبناء الأمم السابقة من بني إسرائيل قد حمل سيفه على عاتقه مدّة ألف سنة و خاض المعارك وجاهد في سبيل الله، فقال النبيّ: عمر أمّتي قصير، و أعمالهم و تكاليفهم قليلة أيضاً، فليس لديهم تكاليف بمقدار ما كان على الأمم السابقة، فكيف ستعوّض ما يفوت عن أمتي من أعمال تلك السنوات المديدة، ماذا ستعطي لأمّتي؟ فجاء الخطاب أنّ الزمان قصير، و العمل قليل، ولكنّ الكيفيّة في غاية الجودة، سنعطيهم ليلة القَدر، فليلة القدر: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}.٢
- سورة الحديد ۰٥۷)، مقاطع من الآيتين: ٢٢ الي ٢٣.
- وفي المجمع: عن ابن عباس قال: ذكر لرسول الله (صلى الله عليه وآله) رجل من بني إسرائيل أنه حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألف شهر، فعجب من ذلك عجبا شديدا وتمنى أن يكون ذلك في أمته، فقال: "يا رب جعلت أمتي أقصر الأمم أعمارا، وأقلها أعمالا، فأعطاه الله ليلة القدر، وقال: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} الذي حمل الإسرائيلي السلاح في سبيل الله لك ولامتك من بعدك إلى يوم القيامة في كل رمضان (التفسير الصافي - الفيض الكاشاني - ج ۷ - هامش ص ٥٢۱- مجمع البيان: ج ٩ - ۱۰، ص ٥٢۰، س ۱۸، بدون الإسناد)
