
حقيقة الدعاء والتوبة إلى الله
وهي محاضرة ألقاها المرحوم العلامة آية الله السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في ليلة القدر الكبرى أي ليلة الثالث والعشرين سنة 1397 هجرية في مسجد قائم تناول فيها حقيقة الدعاء وأهميّة الليلة الثالثة والعشرين وضرورة إحيائها، وبعض آداب الدعاء وشروط التوبة، ثم يذكر قصة توبة بهلول الشاب في زمن النبي صلى الله عليه وآله...
حقيقة الدعاء والتوبة إلى الله
9فالنبيّ رحمة ، أليس كذلك؟ و هو نفسه يقول: إنّ الله يغفر الذنب ولو كان بحجم عرش الله ، و لكن في نفس الوقت يقوم بطرد الشابّ ؛ فما معنى ذلك؟ معنى ذلك أنّ هذا الذنب ليس بالذنب الذي يكفيه أن تأتي إليّ و تقول: أستغفر الله! لا ! لا بدّ كي تصبح طاهراً و يُغفر ذنبك أن تخرج كلّ آثار هذا الذنب السيّئة من كيانك.
"فذهب فأتى المدينة ، فتزوّد منها ، ثمّ أتى بعض جبالها فتعبّد فيها ، ولبس مسحاً ، وغلّ يديه جميعاً إلى عنقه ، ونادى : يا ربّ ، هذا عبدك بهلول ، بين يديك مغلول ، يا رب أنت الذي تعرفني ، وزلّ منّي ما تعلم . يا سيّدي يا ربّ ، إنّي أصبحت من النادمين ، وأتيت نبيّك تائباً ، فطردني وزادني خوفاً ، فأسألك باسمك وجلالك وعظمة سلطانك أن لا تخيّب رجائي ، سيّدي ولا تبطل دعائي ، ولا تقنطني من رحمتك . فلم يزل يقول ذلك أربعين يوماً وليلة ، تبكي له السباع والوحوش ".
ها هو يقول: إلهي ارتكبت ذنباً و قد كان عن جهل منّي! كان عملاً قبيحاً! و الآن جئت نادماً ! ذهبت إلى نبيّك ، نبي رحمتك فآيسني ، فإلى أين أذهب؟ جئت إليك يا ربّ! أتغفر ذنبي؟ أم لا؟
و بعد أربعين يوماً و ليلة من الدعاء المتواصل ، "فلما تمت له أربعون يوما وليلة" ـ هذا بعد أربعين يوماً ها ـ رفع يديه إلى السماء ، وقال : اللهم ما فعلت في حاجتي ؟ إن كنت استجبت دعائي وغفرت خطيئتي ، فأوح إلى نبيّك ، وإن لم تستجب لي دعائي ولم تغفر لي خطيئتي وأردتّ عقوبتي ، فعجّل بنار تحرقني أو عقوبة في الدنيا تهلكني ، وخلّصني من فضيحة يوم القيامة" فهو يريد أن يقول : إلهي ! إن لم يكن قد غُفر ذنبي فاعلم أنّي لا طاقة لي على عذاب القيامة، أرسل عليّ ناراً في الحال تحرقني و تمحوني من الوجود ،"فأنزل الله تبارك وتعالى على نبيّه ( صلّى الله عليه وآله ) : { والذين إذا فعلوا فاحشة } يعني الزنا { أو ظلموا أنفسهم } يعني بارتكاب ذنب أعظم من الزنا ونبش القبور وأخذ الأكفان {ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} يقول : خافوا الله فعجّلوا التوبة {ومن يغفر الذنوب إلا الله} يقول عزّ وجلّ : أتاك عبدي يا محمّد تائباً فطردته ، فأين يذهب ، وإلى من يقصد ، ومن يسأل أن يغفر له ذنباً غيري ؟ ثمّ قال عزّ وجلّ : {ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون} يقول : لم يقيموا على الزنا ونبش القبور وأخذ الأكفان {أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنّات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين} ۱ .
- آل عمران، الآيات: ۱٣٥ ۱٣٦.
