
أحكام الاجتهاد والتقليد
تعرض سماحة العلاّمة آية الله السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في محاضرة له ألقاها في مسجد القائم في شهر رمضان سنة 1398 هـ لبيان بعض الشروط التي ينبغي أن تتوفر في المجتهد الذي يرجع إليه ويؤخد عنه أحكام الدين، معتبراً أن مسألة الرجوع إلى الفقهاء كان متعارفاً في زمن الحضور أيضاً، بل هو واجب على من لم يستطع الوصول إلى الإمام عليه السلام مباشرة سواء كان في عصر الحضور أو في عصر الغيبة، وأشار إلى أن من جملة تلك الشروط العلم والذكورة وحلية المولد والعدالة؛ بالمعنى الذي توضحه الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام؛ أي أن يكون صائنا لنفسه وحافظاً لدينه ومخالفاً لهواه ومطيعاً لأمر مولاه.
أحكام الاجتهاد والتقليد
4فإذا حدث نزاع بين شخصين بخصوص مِلك مثلاً، أو مال، أو ماء، أو صنعة، أو تجارة، أو في زواج، أو طلاق، أو أيّ مورد من الموارد، فإنّ المجتهد الجامع للشرائط هو الذي يجب أن يتولّى حلّ هذا النزاع؛ وإذا لم يرجعا إليه، واعتقدا بنفوذ حكم غيره، سيكونان قد ارتكبا فعلاً محرّمًا.
فيحرُم على المسلمين الذين يحصل بينهم نزاعٌ التخاصمُ عند المحاكم التي تحكم بغير حكم الإسلام، أو أنّها تحكم بذلك، لكنّ القاضي لا يكون مجتهدًا جامعًا للشرائط.۱
وقد جُعل الرجوع إلى هؤلاء في حكم الشرك، وذلك في رواية اسمها «مقبولة عمر بن حنظلة٢» نقلها المشايخ الثلاثة؛ أي المرحوم الشيخ الكلينيّ،٣ والمرحوم الشيخ الطوسيّ،٤ والمرحوم الشيخ الصدوق٥ في كتبهم؛ وبما أنّ الرواية مفصّلة جدًّا، فإنّنا سنقتصر هنا على ذكر مقدار العبارة الذي نحتاجه، لكي نتبيّن منه الحكم:
قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِنَا (أي من الشيعة) يكونُ بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ فِي دَيْنٍ أَوْ مِيرَاثٍ، فَتَحَاكَمَا إِلَى السُّلْطَانِ أو إِلَى الْقُضَاةِ (المعيّنين من قبل السلطان)، أَ يَحِلُّ ذَلِكَ؟ قَالَ: مَنْ تَحَاكَمَ إِلَيْهِمْ فِي حَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ، فَإِنَّمَا تَحَاكَمَ إِلَى الطَّاغُوتِ، وَمَا يَحْكُمُ لَهُ، (ويأخذه من ميراث أو مال)، فَإِنَّمَا يَأْخُذُهُ سُحْتًا (وحرامًا)، وَإِنْ كَانَ حَقًّا ثَابِتًا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِحُكْمِ الطَّاغُوتِ، وَإنّما أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُكْفَرَ بِهِ (لا أن يُرجع إليه)؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾.٦
قُلْتُ (عمر بن حنظلة): فَكَيْفَ يَصْنَعَانِ (في المرافعات والنزاعات التي تحدث بينهم، إن كان لا يستطيعان الرجوع إلى المحاكم الرسميّة من أجل حلّ النزاع بسبب كونها طاغوتيّة)؟
قَالَ (عليه السلام): يَنْظُرَانِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ (أي من الشيعة وليس المخالفين) مِمَّنْ قَدْ رَوَى حَدِيثَنَا، ونَظَرَ فِي حَلَالِنَا وحَرَامِنَا، وعَرَفَ أَحْكَامَنَا، فَلْيَرْضَوْا بِهِ حَكَمًا، فَإِنِّي جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِمًا؛ فَإِذَا حَكَمَ بِحُكْمِنَا، فَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُ، فَإِنَّمَا بِحُكْمِ اللَّهِ اسْتَخَفَّ، وعَلَيْنَا قد رَدَّ، والرَّادُّ عَلَيْنَا الرَّادُّ عَلَى اللَّهِ، وهُوَ عَلَى حَدِّ الشِّرْكِ بِاللَّه!۷
وينقل الشيخ الطبرسيّ في كتاب الاحتجاج رواية عن الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام، والذي ينقلها بدوره عن الإمام الصادق عليه السلام؛ وهي رواية عجيبة وشريفة جدًّا، إلى درجة أنّ المرحوم الشيخ الأنصاريّ يقول في كتابه الرسائل: «هذه الرواية يلوحُ من نصّها آثارُ الصدق»؛۸ أي أنّها لا تحتاج إلى سند بتاتًا، حتّى يأتي الكلام عن صحّة هذا السند أو عدم صحّته؛ إذ من الواضح صدور هذه المسائل من معدن الولاية، وآثار الصدق ظاهرة من نصّها بعينه؛ وهي رواية مفصّلة جدًّا نقلها الشيخ رحمة الله عليه في الرسائل، لكنّ أصلها موجود في كتاب الاحتجاج للشيخ الطبرسيّ مع بعض الزيادات التي ذُكرت فيه، ولم ينقلها المرحوم الشيخ الأنصاريّ، حيث يستمرّ فيها الإمام الصادق عليه في الكلام، إلى أن يقول:
- راجع: وسائل الشيعة، ج ٢۷، ص ۱۱ ـ ۱٦.
- كان من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام.
- الكافي، ج ۱، ص ٦۷.
- تهذيب الأحكام، ج ٦، ص ٣۰۱.
- من لا يحضره الفقيه، ج ٣، ص ۸.
- سورة النساء، الآية ٦۰.
- الكافي، ج ۱، ص ٦۷؛ تهذيب الأحكام، ج ٦، ص ٣۰۱؛ من لا يحضره الفقيه، ج ٣، ص ۸؛ مع اختلاف قليل في المصادر.
- فرائد الأصول، ج ۱، ص ۱٤۱: «دلّ هذا الخبر الشريف اللائح منه آثار الصدق ...»
