
أحكام الاجتهاد والتقليد
تعرض سماحة العلاّمة آية الله السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في محاضرة له ألقاها في مسجد القائم في شهر رمضان سنة 1398 هـ لبيان بعض الشروط التي ينبغي أن تتوفر في المجتهد الذي يرجع إليه ويؤخد عنه أحكام الدين، معتبراً أن مسألة الرجوع إلى الفقهاء كان متعارفاً في زمن الحضور أيضاً، بل هو واجب على من لم يستطع الوصول إلى الإمام عليه السلام مباشرة سواء كان في عصر الحضور أو في عصر الغيبة، وأشار إلى أن من جملة تلك الشروط العلم والذكورة وحلية المولد والعدالة؛ بالمعنى الذي توضحه الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام؛ أي أن يكون صائنا لنفسه وحافظاً لدينه ومخالفاً لهواه ومطيعاً لأمر مولاه.
أحكام الاجتهاد والتقليد
3وعلاوة على ذلك، ينبغي أن يتّصفوا بالعدالة؛ أي أن يكونوا عدولاً، وليسوا من أهل الفسق والفجور والعصيان.۱
والأرقى من ذلك، عليهم أن يكونوا قد تخطّوا الأهواء النفسيّة، وصاروا مطيعين لأوامر مولاهم؛ أي ألاّ يكونوا من طلاّب الرئاسة، ولا يدعوا الناس إلى تقليدهم لأجلها، بل يكونوا عبادًا مطيعين لأوامر الله تعالى تمامًا، قد تخلّصوا ـ عند حفظ أنفسهم ـ من الآراء الشيطانيّة والخواطر النفسانيّة، وأضحت أعمالهم ونيّاتهم وأفكارهم منصبّة على رضا الله تعالى.٢
ولا يخفى أنّ الذكورة شرط أيضًا في الإفتاء، فلا يُمكن للنسوة أن يُفتين؛ لكن، إذا وصلت امرأة إلى مرحلة الاجتهاد، حرُم عليها التقليد، ووجب عليها العمل ـ في الأحكام التي تستنبطها بنفسها ـ طبقًا لرأيها واستنباطها، حيث يكون هذا الرأي حجّة بالنسبة إليها، لكنّه غير حجّة بالنسبة لغيرها، ولو كنّ نساءً.
ومن هنا، فإنّ الذين ليست لهم في زمان الغيبة أو الحضور قدرةٌ على الوصول للإمام بسبب كونه عليه السلام محجوبًا وراء ستار الغيبة، أو بسبب كونه مسجونًا كما كان موسى بن جعفر عليه السلام في بغداد، أو بسبب كونهم يعيشون في المدينة والمناطق النائية، ولا يملكون ملكة الاستنباط، لكي يستنتجوا بأنفسهم الأحكام من آراء الإمام وكتاب الله وسنّة الرسول، يتوجّب عليهم أن يرجعوا إلى عالم شيعيّ اثنى عشريّ، ذكر، طاهر المولد (ولادته من غير سفاح)، حائز على ملكتي الاجتهاد والعدالة؛ وفضلاً عن ذلك، له نفس قدسيّة حتّى يُطبّق الأحكام على موضوعاتها، ومنزّهًا عن هوى النفس.
فإذا اجتمعت هذه الشروط في أحد، يُقال عنه: مجتهد جامع للشرائط، ويصير بوسعه الإفتاء، ويكون رأيه حجّة بالنسبة للذين لم يصلوا بعد إلى هذه المرحلة.
حرمة استفتاء غير المجتهد الجامع للشرائط والرجوع إليه في النزاعات
فيحرُم الرجوع إلى غير المجتهد الجامع للشرائط، من دون فرق هنا بين أن يرجع الإنسان إلى علماء أهل السنّة، أو إلى العلماء الشيعة الذين لم يصلوا بعدُ إلى درجة الاجتهاد، لكنّهم يلجؤون إلى إبداء الرأي من تلقاء ذواتهم، أو يرجع إلى الذين بلغوا درجة الاجتهاد، غير أنّهم ليسوا عدولاً؛ أي أنّهم يتوفّرون على العدالة المتعارفة، لكنّهم ليسوا مخالفين لهواهم، أو يرجع إلى غير الذكور؛ فلا يجوز الرجوع إلى هؤلاء بأجمعهم في استنباط الأحكام، وكذلك على مستوى البتّ في النزاعات.٣
- الاحتجاج، ج ٢، ص ٤٥۸.
- المصدر نفسه، ص ٤٥٦ ـ ٤٥۸؛ وراجع أيضًا: ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، ج ٢، ص ٩٣ ـ ۱۰۰؛ الدرّ النضيد في الاجتهاد والتقليد، ص ٦٣، الهامش.
- الاحتجاج، ج ٢، ص ٤٥٦ ـ ٤٥۸؛ وسائل الشيعة، ج ٢۷، ص ۱٦.
