
أهمّية الأدب في السير والسلوك وتَبِعات عدم الالتزام به
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة الأولي
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، سعى بدايةً إلى بيان أنواع التأديب الإلهيّ، ثمّ تطرّق إلى تعريف الأدب وبيان حقيقته وعرض نماذج عنه، وبيّن كيف أنّ الإنسان لا يقدر على تحمّل العقاب الإلهيّ؛ مشيرًا إلى دور التأديب بِنَوعيه في تربيته؛ ثمّ ذكر أنّ الإنسان يفتقر لله تعالى في شؤونه الدنيويّة والأخرويّة معًا؛ وفي ضمن ذلك، تحدّث عن حقيقة المكر الإلهيّ، ليختم كلامه بالحديث عن علّة حاجة الإنسان للتأديب الإلهيّ.
أهمّية الأدب في السير والسلوك وتَبِعات عدم الالتزام به
9فبهذا النحو، يُعمل على تغيير الإنسان؛ فيُبتلى بأمرٍ، بحيث يحتاج إلى مائة ألف تومان من المال، فيكون هناك شخص لو قال له: أريد منك مائة ألف تومان، لأعطاه هذا المبلغ على الفور لكي يقضي حاجته؛ غير أنّه لا يكون مستعدًّا لكي يطلب منه ذلك، بسبب حبّ الذات الكبير الذي يُعاني منه! وهنا، تبدأ الأمور تتنسّق بطريقة معيّنة، بحيث يضحى ذلك الإنسان محتاجًا لفِلس وقِرش واحد؛ وحينئذٍ، يأتي هذا الشخص، ويلجأ للمناشدة، ويقول: يا سيّدي، أعطني فلسًا من المال، وإلاّ لهلكت!
وخلاصة الأمر أنّهم يعملون على إضعاف هذا الاستكبار وتلك الأنانيّة؛ فنجد إنسانًا سليمًا ومغرورًا بما يتمتّع به من الصحّة؛ وإذا به يُبتلى بمرضٍ لا يسمح له بالنوم ولا التفكير، سواء في الليل أو النهار، بحيث يرى قبره محفورًا أمامه! و يُصاب ذلك المغرور بالمنزل الذي يملكه ببلاء يحلّ به؛ نظير جار سيّء؛ فيكون حاله حال الذي غُرس في قلبه وكبده سكّينٌ على الدوام.
وهذا الذي يُقال له: التأديب بالعقوبة؛ أي: التفتْ! وكِلْ أمركَ إلينا! وأمّا إذا أردت أن تحمل أثقالك بنفسك، وتتحمّل أنت هذه الأمور، فافعل ذلك؛ غير أنّ ذلك تلزم منه هذه التبعات؛ وهذا نوع من التأديب.
والنحو الثاني من التأديب هو التأديب غير المقترن بالعقوبة أو التوبيخ، بحيث ما إن يمِل الإنسان برأسه إلى هذه الجهة أو تلك، حتّى يهتف به صوتٌ لطيف من الأعلى: عزيزي، لماذا أزحتَ وجهك إلى تلك الناحية؟!؛ فينتبه الإنسان بسبب ذلك؛ حسنًا، هناك فرقٌ كبير بين كلمة "عزيزي" هذه، وبين ذلك التوبيخ! فيرفع الإنسان رأسه مرّتين ويقول: أستغفر الله، لقد عصينا إلى الحدّ الذي استوجب أن يقول الله لنا: يا عزيزي، لماذا اقترفتَ هذا الفعل؟!؛ ثمّ إنّ الإنسان يغفل مرّة أخرى، فيأتيه ذلك النداء ثانيةً. ففي ليالي شهر رمضان، تُنادي الملائكة حتّى الصباح:
تعالوا أيّها العصاة! فباب الرحمة مفتوح، ونحن نقبل التوبة، ونغفر الذنوب، ونستجيب الدعاء؛ فلا تجنحوا إلى الشهوات، ولا تكونوا من الغافلين، وأقبلوا علينا!۱
وكذلك في ليالي الجمعة، حيث تنزل الملائكة من السماء، وتعرج إليها باستمرار، منذ بداية الليل حتّى طلوع الفجر، وهي تُنادي:
- الكافي، ج ٤، ص ٦۷:
عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وآله وسلّم يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ إِلَى النَّاسِ فَيَقُولُ:
يَا مَعْشَرَ النَّاسِ، إِذَا طَلَعَ هِلَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ، غُلَّتْ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، وفُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وأَبْوَابُ الْجِنَانِ وأَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّار،ِ واسْتُجِيبَ الدُّعَاءُ، وكَانَ لِلَّهِ فِيهِ عِنْدَ كُلِّ فِطْرٍ عُتَقَاءُ يُعْتِقُهُمُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ؛ ويُنَادِي مُنَادٍ كُلَّ لَيْلَةٍ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ اللَّهُمَّ أَعْطِ كُلَّ مُنْفِقٍ خَلَفًا وأَعْطِ كُلَّ مُمْسِكٍ تَلَفًا!
حَتَّى إِذَا طَلَعَ هِلَالُ شَوَّالٍ، نُودِيَ الْمُؤْمِنُونَ: أَنِ اغْدُوا إِلَى جَوَائِزِكُمْ فَهُوَ يَوْمُ الْجَائِزَةِ»
ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام: «أَمَا والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا هِيَ بِجَائِزَةِ الدَّنَانِيرِ ولَا الدَّرَاهِمِ!». المحقّق
- الكافي، ج ٤، ص ٦۷:
