
أهمّية الأدب في السير والسلوك وتَبِعات عدم الالتزام به
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة الأولي
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، سعى بدايةً إلى بيان أنواع التأديب الإلهيّ، ثمّ تطرّق إلى تعريف الأدب وبيان حقيقته وعرض نماذج عنه، وبيّن كيف أنّ الإنسان لا يقدر على تحمّل العقاب الإلهيّ؛ مشيرًا إلى دور التأديب بِنَوعيه في تربيته؛ ثمّ ذكر أنّ الإنسان يفتقر لله تعالى في شؤونه الدنيويّة والأخرويّة معًا؛ وفي ضمن ذلك، تحدّث عن حقيقة المكر الإلهيّ، ليختم كلامه بالحديث عن علّة حاجة الإنسان للتأديب الإلهيّ.
أهمّية الأدب في السير والسلوك وتَبِعات عدم الالتزام به
18والمراد هنا من «يا ربّ»: أنت الموجود لا غير، وأنت ربّي في إحسانك إليّ، وأنت ربّي في عونك لي، وأنت ربّي في رحمتك لي، وأنت ربّي حينما أتجرّأ عليك وأسيئ إليك، وأنت ربّي حينما أسعى للمكر بك، معتقدًا أنّني قادر على تجاوز أمرك، في حين أنّ المسألة ليست بهذا النحو؛ فأنت ربّي؛ ﴿وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾؛۱ أي أنّ الله تعالى يفعل كلّ ما يُريده؛ فأنت ربّي، وأنا أقرّ بذلك وأعترف، وأنت إلهي، ربّي، ربّي، ربّي، ربّي، وأنت وحدك المتكفّل بكلّ شؤوني!
«بِكَ عَرَفتُكَ، وأَنتَ دَلَلتَني عَلَيكَ وَدَعَوتَني إِلَيكَ، وَلَولا أَنتَ لَم أَدرِ مَا أَنتَ»؛
إلهي! أنا عرفتك بك؛ فأنا أعرف من أنت، وأنت الذي دللتني عليك، وأنا لم أعرفك بغيرك بحيث يكون هذا الغير حجابًا وفاصلاً بيني وبينك، بل عرفتك بك أنت، وأنت من أخذت بيدي، وعرّفتني عليك، وأنت الذي دعوتني إليك، ولو لم تكن أنتَ، لما عرفتك؛ فقد أدركتُ أنّه ليس هناك شيءٌ غيرك.
ولندع الحديث عن هذه الفقرة إلى مساء غد إن شاء الله، لنوضّح كيف يُعرّف سبحانه وتعالى الإنسانَ على نفسه، ولنبيّن أنّه ما دامت معرفة الإنسان بالله لم تحصل بدون واسطة، فلن يُعدّ الأمر منتهيًا! لأنّه في هذه الحالة سيعتقد الإنسان دائمًا بوجود حجاب وواسطة بينه وبين الله؛ هذا، مع أنّ المراد هنا من الواسطة: الواسطة المستقلّة!
وأمّا إذا عرف الإنسان الله بالله، وتعرّف على الشمس بنفس الشمس، لا بواسطة النور والظلمة، فسيتسنّى له حينئذ أن يعترف حقًّا بأنّه غير خارج أبدًا عن حكم الله وحكومته، وبأنّ جميع أعماله وتصرّفاته واقعة تحت نظره تعالى، وأنّه مُلزم بالتوسّل به تعالى في كافّة أفعاله؛ «وَلِكُلِّ طَاعَةٍ وَمَعصِيَةٍ لا حَولَ وَلا قُوَّةَ إلاّ بِالله العَلِيِّ العَظِيمِ».٢
اللهمّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ
- سورة يوسف، الآية ٢۱.
- المصباح للكفعميّ (جنّة الأمان الواقية)، ص ۸٣؛ الروح المجرّد، ص ٤٩٢: «كان [السيّد الحدّاد] كثيرًا ما يقرأ الدعاء التالي في قنوت صلاته:"أَعْدَدْتُ لِكُلِّ هَوْلٍ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ولِكُلِّ هَمٍّ وغَمٍّ مَا شَاءَ اللَّهُ، ولِكُلِّ نِعْمَةٍ الْحَمْدُ لِلَّهِ، ولِكُلِّ رَخَاءٍ الشُّكْرُ لِلَّهِ، ولِكُلِّ أُعْجُوبَةِ سُبْحَانَ اللَّهِ، ولِكُلِّ ذَنْبٍ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، ولِكُلِّ مُصِيبَةٍ إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ولِكُلِّ ضِيقٍ حَسْبِيَ اللَّهُ ولِكُلِّ قَضَاءٍ وقَدَرٍ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، ولِكُلِّ عَدُوٍّ اعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ، ولِكُلِّ طَاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ لَا حَوْلَ ولَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ"».*
* الروح المجرّد، ص ٤٩٣، الهامش ۱: «كان السيّد يقرأ هذا الدعاء على هذا النحو، لكنّ المرحوم المحدِّث القمّيّ نقله في كتاب «الباقيات الصالحات» المطبوع في هامش «مفاتيح الجنان» ص ۱٩۷، الباب الأوّل، طبعة الإسلاميّة بخطّ طاهر خوشنويس، سنة ۱٣۷٩، عن كتاب دعاء «البلد الأمين» للكفعميّ، لم يورد فيه لفظ وَشِدَّةٍ فقط»
