
أهمّية الأدب في السير والسلوك وتَبِعات عدم الالتزام به
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة الأولي
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، سعى بدايةً إلى بيان أنواع التأديب الإلهيّ، ثمّ تطرّق إلى تعريف الأدب وبيان حقيقته وعرض نماذج عنه، وبيّن كيف أنّ الإنسان لا يقدر على تحمّل العقاب الإلهيّ؛ مشيرًا إلى دور التأديب بِنَوعيه في تربيته؛ ثمّ ذكر أنّ الإنسان يفتقر لله تعالى في شؤونه الدنيويّة والأخرويّة معًا؛ وفي ضمن ذلك، تحدّث عن حقيقة المكر الإلهيّ، ليختم كلامه بالحديث عن علّة حاجة الإنسان للتأديب الإلهيّ.
أهمّية الأدب في السير والسلوك وتَبِعات عدم الالتزام به
15فحينما يسعى طائر الحجل إلى إخفاء نفسه عن الصيّاد في فصل الشتاء، فإنّه يدخل رأسه تحت الثلج، كي لا يراه هذا الصيّاد، لكنّ هذا المسكين لا يعلم أنّه بإدخال رأسه في الثلج بغية التخفّي من الصيّاد يكون قد تسبّب في رؤية هذا الصيّاد له، بل إنّه يقوم بهذا الفعل في الأساس حتّى يرميه الصيّاد، ويصطاده! فيأتي ذلك الصيّاد ويأخذه بكلّ سهولة. فإن أردت أن تختبئ من الصيّاد، عليك أن تخفي بدنك تحت الثلج، وترفع حافّة عينيك خارجًا لتراقب هذا الصيّاد، لا أن تدخل رأسك في الثلج؛ لأنّك بهذا العمل ستكون قد أعميت نفسك، لا الصيّاد! وعليه، فإنّ طائر الحجل يسعى عن طريق ذلك الفعل إلى إنقاذ نفسه من الصيّاد، غير أنّه لا يقدر على ذلك، ولا يعلم أنّه قد أوقع نفسه في قبضة هذا الصيّاد بواسطة هذا الفعل بذاته.
وهذه هي حقيقة الخدعة التي يلجأ إليها الناس في مقابل الله تعالى، وهم لا يعلمون أنّ هذه الخدعة هي بنفسها خدعة يخدعون أنفسهم بها؛ أي أنّها خدعة يخدعهم الله بها، فيبتليهم تعالى بالأثر العكسيّ لخداعهم.۱
خطورة مكر الله تعالى بالإنسان
يقول الإمام عليه السلام: «إلهي! لا تمكر بي في حيلتك»، أي: بواسطة حدّة نظرك ودقّة اطّلاعك على أموري؛ وذلك يعني: رغم أنّني أسعى للمكر بك، إلاّ أنّني جاهل وعبد؛ فَدَعني، ولا تُرجع مكري عليّ، ولا تبتلني بالآثار العكسيّة لمكري؛ فإن فعلت ذلك، سأكون شقيًّا جدًّا؛ وأمّا إذا عفوت عنّي بعظمتك ورِفعتك، فإنّك ستُلفت نظري، وتتعامل معي على أنّني عبد جاهل، وتُؤدّبني، سواء بواسطة العقوبة أو بدونها؛ فهذا أفضل من أن تمكر بي؛ أي أن تلقي زمام أموري على عاتقي، ولا تنبّهني إلى خداعي، بل ترجعه عليّ؛ لأنّني في هذه الحالة سأقضي مدّة من الزمان في عالم من العمى وفقدان البصر، من دون أن أدري كيفيّة الخروج من هذه الورطة؛ فأظنّ أنّني أقوم بأعمال حسنة، وأنّني أمضي حياتي بنحو جيّد؛ في حين أنّني غير ملتفت إلى أين أذهب! فهذا هو المكر الذي يوقعه العليّ الأعلى بالإنسان.
- لمزيد من الاطّلاع عن معنى خداع الله تعالى، وكيفيّة رجوع خداع الإنسان على نفسه، راجع: الميزان في تفسير القرآن، ج ٥، ص ۱۱٦؛ وللاطّلاع على المكر المذموم والمكر الممدوح، راجع: الميزان في تفسير القرآن، ج ٩، ص ٦٦.
