
أهمّية الأدب في السير والسلوك وتَبِعات عدم الالتزام به
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة الأولي
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، سعى بدايةً إلى بيان أنواع التأديب الإلهيّ، ثمّ تطرّق إلى تعريف الأدب وبيان حقيقته وعرض نماذج عنه، وبيّن كيف أنّ الإنسان لا يقدر على تحمّل العقاب الإلهيّ؛ مشيرًا إلى دور التأديب بِنَوعيه في تربيته؛ ثمّ ذكر أنّ الإنسان يفتقر لله تعالى في شؤونه الدنيويّة والأخرويّة معًا؛ وفي ضمن ذلك، تحدّث عن حقيقة المكر الإلهيّ، ليختم كلامه بالحديث عن علّة حاجة الإنسان للتأديب الإلهيّ.
أهمّية الأدب في السير والسلوك وتَبِعات عدم الالتزام به
14فتجدنا نُخادع الله تعالى، ونرتكب بعض الأعمال خفيةً، ونقول: لا يهمّ؛ إذ لن يطّلع الباري عزّ وجلّ على ذلك إن شاء الله؛ ثمّ نقوم بهذا العمل، وذاك العمل، وذاك العمل، و...؛ لكنّ الله العليّ الأعلى حاذق في نظره، وهو عليم: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾،۱حيث إنّ جميع الأفعال بيده، وفي قبضته، وتحت مشيئته؛ فإذا نظر إلينا بنظر الرحمة، فإنّه سيُنبّهنا ولو بواسطة العقوبة، وسيعمل على تأديبنا؛ إذ لو أدّبنا بالعقوبة، لكان ذلك أفضل من أن لا يؤدّبنا بتاتًا، لينجرّ الأمر بالإنسان إلى مرحلة الاستدراج، حتّى يصل إلى أسفل سافلين.
هل تعرفون ماذا يعني الاستدراج؟ يعني أن يُلقى العنان بيد الإنسان، ويُترك لحال سبيله، فينحدر إلى الأسفل درجة درجةً، رويدًا رويدًا، بحيث لا يشعر من نفسه أنّه يتنزّل إلى الأسفل، بل يقول: حالي جيّد ولله الحمد، ومعنويّاتي جيّدة، ودنيايَ جيّدة، وآخرتي كذلك جيّدة؛ فمن يا تراه يكون أحسن حالاً منّي؟!؛ لكنّه لا يُدرك أيّ بلاء يحلّ به! فلو تمّ دفعه للأسفل فجأة، لاهتزّ لذلك [وتنبّه] قليلاً؛ لكنّه لا يُدفع فجأةً، وإنّما يُنزل للأسفل رويدًا رويدًا، بحيث لا يحسّ بنفسه بذلك؛ فالاستدراج هو أكبر عذاب! يعني: أن ينزل الإنسان إلى الأسفل تدريجيًّا من دون أن يشعر أو يلتفت.
فبما أنّ الله العليّ الأعلى ما زال ينظر بعين الرحمة إلى ذاك الإنسان الذي يُريد خداعه والاحتيال عليه، وتجاوز أمره، فإنّه تعالى ينبّهه؛ وأمّا إذا لم يشأ تنبيهه، فإنّ هذه الخدعة التي يخادع الإنسان بها الله سترجع على الإنسان نفسه؛ وهذا هي حقيقة المكر الإلهيّ:
﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾٢ فهؤلاء الناس، وهؤلاء الأعداء يمكرون، والله كذلك يمكر، إلاّ أنّ المكر الإلهيّ موضع للرحمة والإعجاب كثيرًا!.
فمكر الله ليس كمكرنا؛ أي أنّه يُرجع مكرنا علينا.
﴿يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾؛٣ فهؤلاء يريدون أن يخادعوا الله ويحتالوا عليهم، لكنّهم لا يعلمون أنّه تعالى هو الذي يخدعهم.
بمعنى أنّ الله تعالى يخدعهم عن طريق نفس الخدعة التي يريدون أن يخدعوه بها؛ فهم يريدون القيام بفعل لا يطّلع الله تعالى عليه، غير أنّهم لا يعلمون أنّ نفس هذا العمل الذي يرتكبونه عن جهل عبارةٌ عن خدعة يخدعون بها أنفسهم؛ لأنّ الفعل الذي يقوم به الإنسان عن جهل لا يخرج عن مرأى الله تعالى ومسمعه؛ بل إنّ هذا الإنسان هو الأعمى والأصمّ، وهو الذي يصدر منه العمل من جهة عماه وجهله.
- سورة الحشر، الآية ٢٢.
- سورة آل عمران، الآية ٥٤.
- سورة النساء، الآية ۱٤٢.
