
أهمّية الأدب في السير والسلوك وتَبِعات عدم الالتزام به
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة الأولي
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، سعى بدايةً إلى بيان أنواع التأديب الإلهيّ، ثمّ تطرّق إلى تعريف الأدب وبيان حقيقته وعرض نماذج عنه، وبيّن كيف أنّ الإنسان لا يقدر على تحمّل العقاب الإلهيّ؛ مشيرًا إلى دور التأديب بِنَوعيه في تربيته؛ ثمّ ذكر أنّ الإنسان يفتقر لله تعالى في شؤونه الدنيويّة والأخرويّة معًا؛ وفي ضمن ذلك، تحدّث عن حقيقة المكر الإلهيّ، ليختم كلامه بالحديث عن علّة حاجة الإنسان للتأديب الإلهيّ.
أهمّية الأدب في السير والسلوك وتَبِعات عدم الالتزام به
13لا تقدر الفأرة على الفرار من القطّة، بل إنّ هذه القطّة تلعب بها، بحيث تكون هي في هذه الجهة، والفأرة في الجهة الأخرى، فتجلس بهدوء وتُحدّق بنظرها إليها؛ وحتّى أنّها في بعض الأحيان تُغلق عينيها، لترى ما الذي سوف تفعله الفأرة؛ وبدورها، تسعى الفأرة ـ طبقًا لظنّها وخيالها ـ إلى استعمال الحيلة، وخداع القطّة، ومباغتتها، والهروب منها؛ فتظلّ ساكنة، ولا تقوم بأيّة حركة؛ وهكذا، إلى أنّ تلجأ فجأة لخداع القطّة، فتهرب منها؛ ظانّةً أنّها قد احتالت على هذه القطّة وخدعتها، وغير ملتفتة إلى أنّ القطّة قد أغلقت عينيها، لكنّها تنظر إليها بخفاء، وروحها بأجمعها متعلّقة بها، وقلبها يخفق عليها، وقد أخرجت جميع مخالبها وأظافرها، لكي تصطادها بقفزة واحدة. فما إن تلجأ هذه الفأرة إلى خداع القطّة، والهروب من بين يديها، والخروج من سيطرتها، والقيام بحركة واحدة، حتّى تقفز القطّة عليها، وتضربها على رأسها؛ لكنّها لا تقتلها، بل تعود ثانية وتجلس مكانها، وتقول لها: اسكتي! لا تتحرّكي! إلى أين تريدين الفرار؟!؛ فتتلاعب بها بهذا الشكل مرارًا وتكرارًا، وتتلاعب، وتتلاعب! حسنًا، تعالي، واستسلمي منذ البداية! لكنّها لا تستسلم، فتبقى في حالة كرّ وفرّ دائمين.
إلهي! لقد فهمنا أنّ كلّ شيء بيدك، فلماذا يتلاعب الإنسان مع الله؟! وإذا كنّا نشاهد أنّ جميع الأعمال تصدر من الله، لا من غيره، فلماذا نسعى باستمرار إلى امتحانه تعالى؟!
أنتم تتصوّرون أنّنا لا نمتحن الله؟! بل إنّنا نمتحنه تعالى باستمرار وفي كلّ يوم ألف مرّة، لكي نرى هل كانَ صادقًا معنا؟ فتجدنا نتوكّل عليه دائمًا، حتّى نرى هل يُثمر هذا التوكّل شيئًا! ونكل أمورنا إليه، ثمّ نرصد النتائج، لكي نرى هل جاءت صحيحة أم لا! فكلّ ذلك امتحان، لكنّ الله تعالى عظيم؛ وهو عظيم حقًّا! فيا له من إله عظيم، نمتحنه بأجمعنا، لكنّه عظيم إلى درجة أنّه لا يواجهنا بتاتًا، ولا يقول لنا: أ فهل تمتحني أيّها العبد؟! إنّني أنا الذي أمتحنك!!؛ فهو عظيم جدًّا!
تمامًا كالطفل الذي يتطاول على أبيه وأمّه، لكنّهما لا يعتنون بذلك، وإنّما يقولون له: نعتذر منك بخصوص المسألة الفلانيّة؛ فنحن الذين تجرّأنا عليك، ولم نكن مؤدّبين معك!.
