
أهمّية الأدب في السير والسلوك وتَبِعات عدم الالتزام به
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة الأولي
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، سعى بدايةً إلى بيان أنواع التأديب الإلهيّ، ثمّ تطرّق إلى تعريف الأدب وبيان حقيقته وعرض نماذج عنه، وبيّن كيف أنّ الإنسان لا يقدر على تحمّل العقاب الإلهيّ؛ مشيرًا إلى دور التأديب بِنَوعيه في تربيته؛ ثمّ ذكر أنّ الإنسان يفتقر لله تعالى في شؤونه الدنيويّة والأخرويّة معًا؛ وفي ضمن ذلك، تحدّث عن حقيقة المكر الإلهيّ، ليختم كلامه بالحديث عن علّة حاجة الإنسان للتأديب الإلهيّ.
أهمّية الأدب في السير والسلوك وتَبِعات عدم الالتزام به
10هل من مستغفر؟! هل من داعٍ؟۱ فنحن نستجيب دعاءه، ونقبل دعوته، ولا نردّها، فتعالوا أيّها العصاة!
وهذا أيضًا تأديب، إلاّ أنّه ليس تأديبًا بالعقوبة، بل هو تأديب باللطف والرفق؛ وهو أمر مناسب جدًّا! أي أنّ العبد لا يقوى على أن يُؤدّبه الله تعالى بواسطة العقوبة؛ وإلاّ، فمن الذي يستطيع القول: إلهي أدّبني بالعقوبة؟!
كان المرحوم الحاجّ السيّد جمال الدين سالكًا لسنين متمادية، وكان صلبًا في هذا المجال، وقد تحمّل العديد من المشقّات في هذا الطريق؛ وبعد ذلك، ذهب إلى أمير المؤمنين وقال له: أعطني ما أريد، وافعل بي ما تريد! ؛ وفي هذه الحالة، ومن أجل إصلاح الإنسان، فإنّهم يأخذون «بُرغيًّا»، ويُثبّتونه عن طريق مفتاح الربط، بل ولا يحتاجون في ذلك إلى مفتاح إنكليزي، أو مفتاح قابل للتعديل، أو زرديّة تثبيت، بل يُثبّتون ذلك البرغيّ بواسطة رأس مغرفة الطعام الكبيرة!! فينتهي الأمر، وينهار ذلك الغرور والاستكبار وما شابه ذلك، ويختلط لعاب الإنسان بمخاط أنفه من شدّة التعب والنصب!! فتنهار قوى الإنسان واستعداداته، ويُصبح ضعيفًا!
وأمّا إن كان التأديب بغير العقوبة، فإنّهم سيأخذون بيد الإنسان بلطف، ويجرّونه بهدوء، ويمشون به من دون أن يشعر بذلك بتاتًا.
وكم كان الإمام السجّاد عليه السلام عارفًا بهذه المسألة! بحيث كانت هذه الخصائص الدقيقة في مقام السلوك واضحةً أمامه كوضوح الشمس، وإلاّ، هل بإمكان أيّ أحد كيفما كان أن يُنشئ مثل هذا الدعاء؟!
إنّ من معجزات القرآن هو طرحه هذا النوع من الأدب، والذي كان يتحلّى به النبيّ مقابل الله تعالى، وكان يعلّمنا إيّاه؛٢ كما أنّ الأذكار التي يقول صلّى الله عليه وآله وسلّم فيها: «لا إله إلاّ الله، سبحان الله» مختصّة به فقط، بحيث لا يتسنّى لغير خاتم النبيّين أن يفتح الطريق بهذا النحو، وينهج هذا المسير، ويلهج بمثل هذه الأذكار! ومن لم يكن مثل الإمام السجّاد لا يمكنه أن يقول: «إلهي لا تُؤَدِّبني بِعُقُوبَتِكَ!».
افتقار الإنسان لله تعالى في شؤونه الدنيويّة والأخرويّة
[علينا أن نقول:] أنا عبد، أنا عاجز، ولا أملك شيئًا! أ فتريدُ أن تُؤدّبني بالعقوبة؟! من أين لي القدرة على ذلك؟! لا أن نقول: خذ طفلي واقتله إن أحببتَ، أو اهدم المنزل على رأسي، أو ابتلني بكلّ الابتلاءات التي أحللتها على رأس النبيّ أيّوب، أو امتحنّي كما امتحنت النبيّ يعقوب بفراق ابنه يوسف؛ كلاّ، كلاّ، كلاّ، كلاّ! بل [علينا أن نطلب] ما هو أدنى من هذه العقوبات، وأدنى، وأدنى؛ إذ لو تأتي بعوضة صغيرة، وتُريد أن تمزح معنا في ليلة ما، فإنّ هذه الليلة ستتحوّل إلى جهنّم، بحيث لن ننام حتّى الصباح! ولو تقرّر أن تأتي بعوضة أو ذبابة واحدة، وتبدأ في إزعاج الإنسان، بحيث كلّما ضربها، تذهب وتعود ثانية، فإنّ هذا الإنسان سيُصاب بالعجز؛ إذ كيف سيتسنّى مطاردة هذه الذبابة، والإمساك بها، وقتلها؟! فما إن يسعَ لضربها، حتّى تفرّ؛ كما أنّ الإنسان لا يملك جناحين لكي يُطاردها؛ فيقبع هذا الإنسان كالذليل أمام ذبابة واحدة وبعوضة واحدة! بل أمام ما هو أصغر من ذلك ممّا لا يمكن أن نتصوّره؛ إذ لا نملك أيّ حول ولا قوّة، ولا قدرة لنا [على التحمّل]!٣
- عُدّة الداعي، ص ٤۸؛ تفسير القمّي، ج ٢، ص ٢۰٤.
- لمزيد من الاطّلاع على أدب الأنبياء عليهم السلام في القرآن الكريم، ومعنى الأدب، ومصاديقه في المجتمعات المختلفة، راجع: تفسير الميزان، ج ٦، ص ٣٦٦ ـ ٤٣٣.
- نهج البلاغة (عبده)، ج ٤، ص ٢٣٤: «مِسكينٌ ابنُ آدم؛ مَكتومُ الأجَلِ، مَكنونُ العِلَلِ، مَحفوظُ العَمَلِ، تُؤلِمُهُ البَقَّةُ، وتَقتُلُه الشَّرقَةُ، وتُنتِنُهُ العَرقَةُ».
