
معرفة الله تبدأ من معرفة النفس
شرح (من عرف نفسه عرف ربه)
هل يمكن للإنسان أن يعرف ربه بواسطة معرفة نفسه؟ وهل كل من عرف ربه فقد عرف نفسه؟ وهل يصح القول بأن من لم يعرف نفسه لم يعرف ربه؟ وما المراد من رواية "من عرف نفسه فقد عرف ربه" ؟ هل جاءت لبيان استحالة معرفة الله؟ و أيّ المعرفتين أنفع للإنسان المعرفة الآفاقية أم الأنفسية؟ أسئلة أجاب عنها المرحوم آية الله العلامة السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه المحاضرة التي ألقاها في مسجد قائم في طهران ليلة العشرين من شعبان سنة 1396 هجرية، مستدلا على ما أفاده بالآيات القرآنية مستعيناً بأدلة منطقية وكلام الفلاسفة، كما أورد العديد من الروايات التي تشير إلى أهمية العلوم التي تؤدي إلى معرفة الله، وأن الطريق الوحيد لهذه المعرفة منحصر بمجاهدة النفس و الأنا.
معرفة الله تبدأ من معرفة النفس
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين
ولعنة الله على أعدائهم أجمعين
قال تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}
تقدّم أثناء الحديث في الأسبوع السابق أنّ الطريق إلى معرفة الله إنّما يتحققّ من خلال الآيات الآفاقيّة والآيات الأنفسيّة، وقد تقدّم الكلام مفصّلاً عن الآيات الآفاقيّة، أمّا فيما يتعلّق بالآيات الأنفسيّة فقد وعدنا أن نتوسّع في الكلام إلى حدّ ما.
معرفة النفس طريق الى معرفة الله
فالآيات الأنفسيّة تعني: ذات الإنسان، أي أن يعرف الإنسان الله من خلال ذاته، وهو طريق جيّدٌ جدّاً، بحيث أنّ الإنسان يعرفُ ربّه بواسطة نفسه وذاته، فيعرف نفسه حتّى يعرف ربّه.
فهل يمكن للإنسان أن يعرف ربّه بواسطة نفسه؟! نعم.. لأنّ الله أقرب إلى الإنسان من الإنسان نفسه، فلله معيّة مع وجود الإنسان، لأجل ذلك، تكون حقيقة وجود الإنسان مندكّة في ذات الله، وإنْ يحوم الإنسان حول وجود نفسه، ويستكشف نفسه، فسوف يجد الله، بذلك كانت معرفة الذات طريقاً للوصول إلى الله.
يقولون: إنّ الشخص الفلانيّ عارفٌ حكيم، يعني قد أحكمَ السيطرة على ذاته ونفسه، فنحن قلوبنا مشتّتة ضائعة، وهي مسلّطة علينا، فهي تستجلب الأفكار الغريبة والعجيبة وتدخلها في قلوبنا، وذلك بدون اختيار منّا، وأمّا العارف الذي جاهد نفسه وروّض قلبه إلى الحدّ الذي أصبحَ لا يدع طريقاً لدخول أيّ شيء من التخيّلات والمتاهات، فهو متسلّط على قلبه، وهذا يقال له: قويّ القلب، قويّ الضمير، فقويّ القلب هو الشخص الذي أشرفَ على معرفة نفسه ووجدَ ذاته، فالوصول إلى الذات ملازم لمعرفة الله.
جاءت إحدى نساء النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وسألته:
هل يعرف الإنسان ربّه؟
فقال لها النبيّ: من عرف نفسه عرف ربّه.
هذه الرواية نقلها المرحوم السيد المرتضى في كتاب "الغرر والدرر" المعروف بـ "الأمالي".
وهناك رواية أخرى ينقلها السيّد المرتضى في كتابه "الغرر والدرر"، من أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: أعلمكم بنفسه أعلمكم بربّه.
وقد سألوا الإمام الباقر أو الصادق عليه السلام (حسب الظاهر) عن رواية مرويّة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، من أنّ النبيّ قال: اطلبوا العلم ولو بالصين فأيّ علمٍ هو هذا العلم الذي يطلبه الإنسان حتّى وإن كان في الصين؟ فأجاب الإمام: هو علم معرفة النفس فاطلبوه حتّى وإن كان في الصين، فمراد النبيّ من "اطلبوا العلم" هو ما كان من هذا النوع من العلوم، فعلم معرفة النفس مهمّ جدّاً.
