
معرفة الله تبدأ من معرفة النفس
شرح (من عرف نفسه عرف ربه)
هل يمكن للإنسان أن يعرف ربه بواسطة معرفة نفسه؟ وهل كل من عرف ربه فقد عرف نفسه؟ وهل يصح القول بأن من لم يعرف نفسه لم يعرف ربه؟ وما المراد من رواية "من عرف نفسه فقد عرف ربه" ؟ هل جاءت لبيان استحالة معرفة الله؟ و أيّ المعرفتين أنفع للإنسان المعرفة الآفاقية أم الأنفسية؟ أسئلة أجاب عنها المرحوم آية الله العلامة السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه المحاضرة التي ألقاها في مسجد قائم في طهران ليلة العشرين من شعبان سنة 1396 هجرية، مستدلا على ما أفاده بالآيات القرآنية مستعيناً بأدلة منطقية وكلام الفلاسفة، كما أورد العديد من الروايات التي تشير إلى أهمية العلوم التي تؤدي إلى معرفة الله، وأن الطريق الوحيد لهذه المعرفة منحصر بمجاهدة النفس و الأنا.
معرفة الله تبدأ من معرفة النفس
14الإنسان المستجمع للقدرات المتعدّدة، فهذه القدرات.. وتلك العلوم.. وجميع تلك الصناعات والحرَف.. ومع كلّ هذا الاقتدار إلاّ أنّه يقول: هذا لي أنا...
عزيزي! أنتَ كنتَ نطفة.. كنتَ صفرَ اليدين.. وكنتَ عدماً قبلَ النطفة ولم يكن لديك أيّ شيء أبداً!
وإنّه لأمرٌ عجيب! واقعاً عجيب! فهذه النطفة تتحوّل إلى إنسانٍ عالمٍ، قادرٍ، ذي شعور، يمتلك الصناعات المختلفة، ويحوز على العلوم المختلفة، فالناس تتعجّب من ذلك، والحال أنّ جميع ذلك ليس له، وإنّما هو لله، فهناك نورٌ ألقيَ عليه.. وقد تحرّك النور إليه وسرى فيه، حتّى تشكّل على هيئة علم، وحازَ على هويّةٍ وتشخُّص وجوديّ خاص، وحصلَ على قدرة واقتدار، ثمّ يعود هذا النور لينحسر ويخفت، ويصبح هذا الشخص العالم جاهلاً، وهذا الشخص الفاضل يصير عاجزاً، وهذا السيّد السليم المزاج عليلاً، وفلانٌ الذي كان حيّاً يصبحُ ميّتاً، فيكتبون على هويّته الشخصيّة أنّه متوَفَّى وميّت، وفلاناً الذي كان يمشي على سطح الأرض قد أصبح تحتها، وذاك الذي كان بدنه من اللحم والعظم قد أصبح تراباً ورماداً.
حسناً، أين هي تلك القدرة؟! أينَ هو ذلك العلم؟! أين هي تلك الحياة؟! تماماً مثل نور الشمس!! فحينما تغرب الشمس تأخذ النور معها، كذلك هو يسحب النور معه، ويأخذ القدرة معه، حينئذٍ، كلّ أولئك الذين يدّعون أنّ القدرة والنور والعلم والحياة هي لأنفسهم يعضّون على أناملهم حسرةً وتأسّفاً.
فالعلم هو معرفة الإنسان بنفسه، ليفهم أنّه ليس شيئاً من تلقاء نفسه، ويعلم أنّ هذه القدرة التي تتألّق هي قدرة الله، حتّى ما يتمتّع به جبرائيل والأنبياء وتمام الموجودات! فالنبي الذي كان يشير إلى القمر ويفلقه نصفين قد فعل ذلك بقدرة الله! ولذا فإنّ الله يأخذ هذه القدرة من النبيّ، وحينما يكون على فراش الموت في حال نزع روحه فلا قدرة لديه ولا يقوَى على دفع ذبابة عن جبينه، لماذا؟ لأنّ القدرة لله وليست له.. فهي لله.. هو أعطى.. وهو أخذ.. وكلّ قدرةٍ أعطاها لأيٍّ من الموجودات إنّما هي له.. وأيّ نور أعطاه لهم.. وأيّ علم.. وأية حياةٍ.. كلّ ذلك هو لله؛ وما إن يسلبُ منهم ذلك يصبحوا صفر اليدين، فنراه يعطي ويأخذ؛ فإذا: {لِّمَنِ المُلكُ اليَومَ لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ} أي لمن القدرة والسلطنة والعظمة؟ هي لله الواحد القهّار.
