
معرفة الله تبدأ من معرفة النفس
شرح (من عرف نفسه عرف ربه)
هل يمكن للإنسان أن يعرف ربه بواسطة معرفة نفسه؟ وهل كل من عرف ربه فقد عرف نفسه؟ وهل يصح القول بأن من لم يعرف نفسه لم يعرف ربه؟ وما المراد من رواية "من عرف نفسه فقد عرف ربه" ؟ هل جاءت لبيان استحالة معرفة الله؟ و أيّ المعرفتين أنفع للإنسان المعرفة الآفاقية أم الأنفسية؟ أسئلة أجاب عنها المرحوم آية الله العلامة السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه المحاضرة التي ألقاها في مسجد قائم في طهران ليلة العشرين من شعبان سنة 1396 هجرية، مستدلا على ما أفاده بالآيات القرآنية مستعيناً بأدلة منطقية وكلام الفلاسفة، كما أورد العديد من الروايات التي تشير إلى أهمية العلوم التي تؤدي إلى معرفة الله، وأن الطريق الوحيد لهذه المعرفة منحصر بمجاهدة النفس و الأنا.
معرفة الله تبدأ من معرفة النفس
13أيّها المؤمنون! أصلحوا أنفسكم! توجّهوا إلى ذاتكم قبلَ أن تشرعوا بإصلاح الآخرين.
وحينما تنكبّون على إصلاح أنفسكم، تستطيعون حينئذٍ أن تُصلحوا الناس، ولا يمكن أن يتمّ ذلك مع كونكم ضالّين تائهين ثمّ تشرعون بإصلاح الناس! فتشرعون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. تسألون وتتفحّصون: لمَ اتفقَ هذا؟! لماذا حصلَ كذلك؟! فمادام لم يعرف نفسه ولم يصلحها، كيف يمكنه أن يصلح الناس حينئذٍ؟! فالآية تصرّح بأنّ طريق إصلاح الآخرين إنّما يبدأ بإصلاح النفس، وأنّ من أصلح نفسه وهذّبها هو الذي يمكنه إصلاح الآخرين وإلا فلن يتمكّن من ذلك.
حسناً، فعلى أثرِ إصلاح الإنسان نفسه وذاته، سوف تزول من نفسه آثار الإعجاب بالذات، وتزول شوائب الاستكبار، ويفهم الإنسان أنّه موجود فقير.. محتاج.. عاجز.. ميّت.. ويعرف أنّ هذا النور الذي يشعّ أمامَه، والقدرة التي هي لديه، والعلم الذي له، والحياة التي يتمتّع بها، وهذا الوجود المتحقق به... يعلم أنّ كلّ ذلك ليس له، وإنّما هو لله. إذاً، من يقف على هذه الحقيقة ويبلغ كنهها، سوف يدرك الله ويصل إلى الله، وهو معنى معرفة النفس الملازمة لمعرفة الربّ.
افرضوا أنّه الآن يكون نهاراً؛ الشمس مرتفعة وسط السماء، وقد أضاءت الصحاري والبوادي.. والجبال.. الغيوم.. سطوح المنازل وحدائقها.. البحار.. البحيرات.. وأصبحت الأرض مشرقةً نيّرة، فحينئذٍ نسأل: من أينَ أتى هذا النور؟ فيجيب الجبل: هذا النور منّي وهو لي، وتقول الشجرة: النور لي، ويجيب البحر والبحيرة والنهر: النور لي، فلو لم تغرب الشمس وتصطحب النور وتأخذه معها، ويحلّ الظلام والعتمة.. كيف يمكنهم أن يلتفتوا إلى أنّ هذا النور والضوء ليس ضوء الأرض؟! فهم يتوهمّون أنّ هذا النور هو نور الأرض ذاتها، ويتخيّلون أن الأرض مشعّة ومولّدة للنور، وأنّ الجبل منير، وأنّ أوراق الأشجار مولّدة للنور، وأنّ البلبل الواقف على غصن الشجرة مصدّر للنور، يحسبون أنّ كلّ ذلك منير.. والفحم.. والحجر الأسود القاطم يتصوّرونه مشعّاً ومضيئاً.. فكلّ ذلك يدّعي أنّه مضيء بذاته، ولكن ما إن تغرب الشمس وتُغيِّب النورَ معها، فالأرض التي كانت تدّعي أنّ النور لها، تعضّ على أناملها حسرةً وتقول: عجباً!! قد تلاشى نوري وذهب ضوئي.. وتقول البحيرة: قد خَفَتَ ضوئي، ويقول الإنسان: قد ذهب نوري، فالعالم بأسره غارقٌ في الظلمات.. وحينئذٍ، ينكشفُ كذبُ ادّعاء من يدّعي أنّ النور له.. أليس صحيحاً؟! جميع ما بحوزة الكائنات من النور هو لله.. كذلك الحياة.. العلم.. القدرة.. جميع ذلك لله، هو الذي يعطي وهو الذي يأخذ.
