
آراء الفلاسفة والحكماء حول إمكان معرفة الله
هل بإمكان الموجودات أن تقود الإنسان الى حقيقة ذات الله؟ وماذا يقول الفيلسوف العربي إسحاق الكندي حول معرفة الله؟ وهل معرفة الله بواسطة العقل وحده ممكنة؟ وما هو رد العلامة الطهراني على الشيخ البهائي الذي يعتبر ان معرفة ذات الله مستحيلة وانها لا تتم الا بالوصول الى الأسماء والصفات الإلهية؟ ثم ما كان رأي الفيلسوف أفلاطون في المعرفة؟ وهل اعتبر ابن سينا أن الوصول الى ذات الله ممكن للجميع؟ وماهي شروط الوصول للمعرفة من وجهة نظر الشيخ السهرودي؟ وهل الوصول الى تمام المعرفة يتم بالآية الآفاقية أم الأنفسية؟ هذه مجموعة من الإشكالات التي طرحها العلامة السيد محمد حسين الطهراني قدس سره في المحاضرة السادسة من سلسلة تفسير آية النور.
آراء الفلاسفة والحكماء حول إمكان معرفة الله
13قول ابن سينا: جلّ جناب الربّ أن يكون شريعة لكلّ وارد
ولابن سينا كتاب باسم "الإشارات" وهو على عشرة أقسام، ففي القسم التاسع "مقامات العارفين" يتكلّم عن أحوال العارفين، حيث استعرض الكثير من المطالب، وقد شرحها المرحوم "الخواجة نصير الدين الطوسيّ"، و كذلك لـ "فخر الدين الرازي" شرح عليها أيضاً، نعم شرح "الخواجة" جيدُ جدّاً حتماً، ولكن بالنسبة لشرحه القسم التاسع من هذا الكتاب لم يكن متميّزاً ولامعاً كما كان ينبغي، إذ أنّ القسم التاسع يستحقّ أن يُشرحَ بشكلٍ أفضل، وعلى كلّ تقدير هناك جملة في القسم التاسع من كتاب أبي علي حيث يقول:
"جلّ جناب الربّ أن يكون شريعة لكلّ واردٍ أو أن يطّلعَ عليه إلاّ واحدٌ بعد واحد".
الشريعة: هي الطريق الذي يجعل للنهر، حيث يذهب الناس لجلب الماء، فالأنهار الكبيرة مثل نهري دجلة والفرات، ونهر كارون، حيثُ لا يمكنُ للناس أن يأخذوا الماء ويغرفوا من النهر من أيّ طرف منه، فقد يكون النهر في بعض الأحيان أسفل من الأرض بعشرة أمتار، وبعض الأحيان يفيض الماء ويطفح إلى الأعلى، لذا، يعمدون لبناء منحدرٍ على جانب النهر، ويبنون له درجات كي يستطيع الناس من الذهاب إلى النهر وأخذ الماء منه والصعود عالياً، وهذا الطريق يسمّى "شريعة".
فيقول: إنّ جناب الله تبارك وتعالى أكبر وأجلّ من أن يكون شريعة لكلّ وارد؛ أيّ لأيّ شخصٍ يريد أن يصافحَ الله، فتصلَ يدُه إلى الله بسرعة، لأيّ شخصٍ يريد أن يكتبَ كتاباً يشرح فيه حقيقة الله ويبيّنها، فالعلماء الماديّون يبيّنون الله من جهةٍ خاصّة، والعلماء الإلهيّون يبيّنون الله من ناحية معيّنة، كلّ شخصٍ له مدرسة خاصّة، ومذهبٌ خاص، ففريق يبيّن الله هكذا، وبعضهم يعرّف الله على أنّه أعمى!! وآخر بصورة أصمّ!! وثالث يعرضه على أنّه جاهل، وبعضهم يجعله ميّتاً، وبعضهم يقول: في بعض الأحيان يكون حيّاً وفي البعض الآخر يكون ميّتاً، نعم هكذا نحن نعرّف الله وهكذا نبيّنه، فإلى أيّ حدٍّ نبيّنه؟!
قد تقدّم سابقاً قبل عدّة جلسات، أنّ أغلب الناس العاديّين يمتلكون عقيدة تفويضيّة، حيث يقولون: إنّ الله أعطانا قدرةً، ونحن نعمل على أساسها، فالقدرة أُعطيت لنا، والعلم وُهب لنا، مثل الساعة التي تعبّأُ ثمّ تعمل من تلقاء نفسها وترنُّ، كذلك نحنُ نعمل ونقوم بمهامنا، وهذا عين التفويض، وهو تهميش لله وإخراج له من دائرة الوجود، وهو مخالف لصريح الآيات القرآنيّة ومناقض للواقع والحقيقة؛ فالله موجودٌ مع كلّ موجود، وفي جميع الحالات {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} و {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} هكذا هو الله.
