
آراء الفلاسفة والحكماء حول إمكان معرفة الله
هل بإمكان الموجودات أن تقود الإنسان الى حقيقة ذات الله؟ وماذا يقول الفيلسوف العربي إسحاق الكندي حول معرفة الله؟ وهل معرفة الله بواسطة العقل وحده ممكنة؟ وما هو رد العلامة الطهراني على الشيخ البهائي الذي يعتبر ان معرفة ذات الله مستحيلة وانها لا تتم الا بالوصول الى الأسماء والصفات الإلهية؟ ثم ما كان رأي الفيلسوف أفلاطون في المعرفة؟ وهل اعتبر ابن سينا أن الوصول الى ذات الله ممكن للجميع؟ وماهي شروط الوصول للمعرفة من وجهة نظر الشيخ السهرودي؟ وهل الوصول الى تمام المعرفة يتم بالآية الآفاقية أم الأنفسية؟ هذه مجموعة من الإشكالات التي طرحها العلامة السيد محمد حسين الطهراني قدس سره في المحاضرة السادسة من سلسلة تفسير آية النور.
آراء الفلاسفة والحكماء حول إمكان معرفة الله
11فأمّا تلك الطبقة الأولى التي لم ترَ النار ولا الدخان أصلاً، وإنّما أخبرت عنها من خلال توصيفها فقط، فهو حال غالبيّة الناس الذين لم يتوصّلوا إلى ذات الله، ولا إلى صفاته، ولا إلى أسمائه، كما وأنّهم لم يعتقدوا بذلك من خلال الانتقال والاطلاع على العلة بواسطة المعلول؛ وإنّما قالوا: الله موجودٌ كذا وكذا، فقبلوا وأذعنوا وأصبحوا معتقدين بالله.
والقسم الثاني، هم الذين اطّلعوا على العلّة بواسطة المعلول، وانتقلوا من الدخان إلى النار، ومثالهم الحكماء الذين أثبتوا وجود الله بواسطة البراهين المنطقيّة والاستدلاليّة، وبرهنوا على كيفيّة الله وخصوصيّته. هذان هما القسمان الأولان.
الطائفة الثالثة، هم الذين رأوا النار، رأوها حينما تكون النار ملتهبة بحيث تضيء وتُدفئ ما حولها، فاقتربوا منها ولفحت حرارتها أبدانَهم، وصارت أبدانهم ساخنة منها. فهم قد عرفوا النار أكثر من الطائفة الثانية، ومثلهم كالمؤمنين الخلّص.. فإيمانهم عالٍ جدّاً، وقد اقتربوا بأنفسهم إلى الصفات والأسماء الإلهيّة، وأحرزوا نوعاً من الارتباط بالعالم الآخر.
وهناك طائفة أعلى من ذلك؛ هم الأفراد الذين اقتربوا من النار بحيث ألقوا أنفسهم في لهيبها فاحترقوا فيها وانصهروا بها وأصبحوا عينَ النار، فلم يبقَ شيءٌ من وجودهم. هؤلاء هم أهلُ الشهود وأهلُ الفناء الذين فعلت النار فيهم فعلها، فأفقدتهم ذاتهم ولم يبقَ شيءٌ لهم.
بالنسبة لذات الله فإنّ أولئك الذين عبروا عن ذاتهم وتخلّوا عن جميع الشوائب الوجوديّة، فهؤلاء بالقياس إلى الذات الإلهيّة لم يبقَ شيءٌ من وجودهم، فلم يبقَ أنانيّة لديهم، وهؤلاء يصلون إلى مرحلة الشهود، والتجلّيات الإلهيّة تأخذُ جميعَ آثارِ وجودهم وتذيبه وتفنيه.
إذاً، قد قسّمَ المرحومُ "الخواجة نصير الدين الطوسي" علم الناس إلى أربعة أنواع:
القسم الأوّل: هو العلوم العاديّة، القسم الثاني: من المعلول إلى العلّة وهو علم اليقين، القسم الثالث: عين القين، والقسم الرابع: عبارة عن مقام الشهود ويسمّى حقّ اليقين.
وعلى كلّ تقدير، فإنّ جميع هذه المراتب هي شهودٌ للأسماء والصفات، والإنسانُ يرى ربّه ولو من خلال نافذة صغيرة، فهو يريدُ أن يعرفَ ربّه من خلال هذا المنفذ الضيّق، فيستطيع أن يعرف ربّه بمقدار تلك النافذة الصغيرة. إلاّ أنّ الإنسان موجودٌ عجيب جدّاً، فهو يريد أن يتعرّف ويرى أكثر من ذلك، والأعجبُ من ذلك هو أنّ الإنسان يريدُ أن يرى الله بواسطة مرآة كلّ الموجودات، وهذه هي خصوصيّة الإنسان، فالإنسان شيء عجيب.
