
المناهج المختلفة حول مسألة معرفة الله
علام استندت معتقدات المنزِّهة والمشبِّهة في مسألة معرفة الله؟ وهل جانب معتقدهم الصواب؟ وماذا يرى منهج الاتحاد والحلول؟ وبأي شيء يُشكَل على مذاهب المعتزلة والأشاعرة؟ هل علم الفلسفة والحكمة كاف لمعرفة ذات الله؟ وماهو المنهج الأكمل للوصول الى معرفة الله؟ ومتى يصبح نور الله الظاهر مخفيا عنا؟ هذه بعض الأسئلة التي تعرض لها آية الله العلامة السيد محمد حسين الطهراني قدس الله سره في هذه المحاضرة الثالثة حول إمكانية معرفة الله ضمن سلسلة محاضرات شرح آية النور مستعرضاً المناهج المختلفة حول هذه المسالة، موضحاً الجواب الأمثل حول هذا الموضوع.
المناهج المختلفة حول مسألة معرفة الله
16لا يحصل الإنسان على الطمأنينة والسكينة إلا بالارتباط بالله تعالى
حضرة النبي إبراهيم قال وهو في سنّ الطفولة:
{ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}۱ فأعرض عن كلّ العالم وركله بقدمه، أمّا نحن فلا نفعل، نحن نقول: إن شاء الله غداً، نترك الوصيّة لزمان الكِبر، فنشتري منزلاً ودكّاناً وهكذا.. وبعد ذلك، إن شاء الله نحجّ في الشتاء، نعم في ذاك الفصل نحجّ، يجب أنْ نؤمّن الاكتساب والعمل والأمور المعاشية والحياتية... وكلّ ذلك يكون منظّماً!! وإذا بقي لدينا وقت نصلّي قبل الغروب!! فالعبادة ليست سوى خدمة الخلائق!!
إنْ رفضتَ هذه الآية وأنكرتها فسوف تظلّ إلى آخر عمرك محجوباً، ويبقى الضوء في القلب تحتَ الغشاوة والغطاء، ثمّ تذهب إلى القبر مع تلك الظلمة، فيجب عليك أن ترفع الغطاء، وتدرك وتلامس بواسطة الإحساس، تلك هي مدرسة الأنبياء، وهي مدرسة لقاء الله، وهي مدرسة العرفان، المدرسة التي ـ كما تقدّم ـ لا تعارض مدرسة البرهان ولا تبطلها، وإنّما تقول: إنّ مجرّد ذلك غير كافٍ، فالبرهان حربة نافعة ضد العدو، لكن ماذا أعددتَ لنفسك أنت؟ فحينما تريد أن تأكل، لا بدّ وأنْ تكون مسلّحاً بسيف تدفع به عن نفسك خطر أيّ حيوانٍ يريد أن ينقضّ عليك ويمزّقك، وتهزم به أيّ عدوٍّ يريد أن يقتلك، إلاّ أنّ هذا السيف لا يشبعك!! ولو وضع أحدٌ السكين في بطنه فسوف لا يشبع؛ بل لا بدّ وأن تفرشَ له سفرة ثمّ يؤتى من ذاك الطعام الذي أعدّ وطبِخ؛ فأكل الطعام شيء ضروري ولا بدّ منه، كذلك حمل الحربة في اليد، إلاّ أنّ ما يشبع الإنسان ويرويه هو ذاك الكأس المملوء بالماء البارد، تلك الكؤوس الفيروزيّة التي يتلألأ فيها الثلج، وحيث يحضرون له من تلك الفواكه والموائد الفردوسيّة، حينئذٍ يشبع الإنسان ويرتوي .
فما لمْ يزر الإنسان ربّه، ولم يعرف ربّه، سوف لن يهدأ قلبه. فهدوء قلبه واستقراره منحصر بالارتباط بالله.
إلى هنا وصل بحثنا هذه الليلة.
والآن نريد أن نقول: اللَهُ نُورٌ، هذه هي مدرسة الأنبياء التي أسسّوا قواعدها وشيّدو بناءها، والله كذلك يقول: اللَهُ نُورٌ، فماذا علينا أن نفعلَ كي نصل إلى هذا النّور؟ وهذا النّور الظاهر في حدّ نفسه والمظهر لغيره، لمَ كان مخفيّاً؟ السبب في اختفائه وجود الحجاب، فما إنْ يُرفع الحجاب حتّى يظهر من تلقاء نفسه وتظهر حقيقة: اللَهُ نُور.
- قسم من الآية ۷٩ من سورة الأنعام.
