
المناهج المختلفة حول مسألة معرفة الله
علام استندت معتقدات المنزِّهة والمشبِّهة في مسألة معرفة الله؟ وهل جانب معتقدهم الصواب؟ وماذا يرى منهج الاتحاد والحلول؟ وبأي شيء يُشكَل على مذاهب المعتزلة والأشاعرة؟ هل علم الفلسفة والحكمة كاف لمعرفة ذات الله؟ وماهو المنهج الأكمل للوصول الى معرفة الله؟ ومتى يصبح نور الله الظاهر مخفيا عنا؟ هذه بعض الأسئلة التي تعرض لها آية الله العلامة السيد محمد حسين الطهراني قدس الله سره في هذه المحاضرة الثالثة حول إمكانية معرفة الله ضمن سلسلة محاضرات شرح آية النور مستعرضاً المناهج المختلفة حول هذه المسالة، موضحاً الجواب الأمثل حول هذا الموضوع.
المناهج المختلفة حول مسألة معرفة الله
13ولو استفاد الإنسان من علم الفلسفة والحكمة الصحيحة وتطوّر على أساسهما، فإنه سيدرك جيداً أنّ الله موجود في الواقع، وأنّ الله بسيط، وأنّه عليم، وأنّه بصير مطلق، وعلمه مطلق، وأنّ ذاته غير متناهية، فهو محيط بكلّ الموجودات، وفوق كلّ الموجودات، قد أوجد العالم وخلقه، وأنّ العالمَ مرتبط به، وأنّه مع عالم التكوين، والعالم معه، ولا تخفى ذرّة عن حيطة علمه.
حسناً، علم الحكمة يثبتُ أنّه: لا يعزبُ عنْ علمِهِ مثقالُ ذرّة في السماء والأرض، كما أنّ العلماء الإلهيين الذين ينهلون من الفلسفة والبراهين المنطقيّة، ويريدون أن يُثبتوا وجود ذات الواجب وصفاته ويستدلّوا عليهما، قدْ سعوا كثيراً وتحمّلوا المشقات في ذلك، وسهروا كثيراً، وتحمّلوا المرارات، وأتلفوا عمرهم.
وقد انبرى الكثير من علماء هذه المدرسة لمواجهة الماديين والشكّاكين والسوفسطائيين.. ففي كلّ زمان كان هؤلاء العلماء الإلهيّون يواجهون الماديين والطبيعيّين ويقابلوهم بالبراهين الفلسفية ويدحضون مدرستهم، وإلاّ لكانت الدنيا قد أظلمتْ بعبادة الأصنام.
فأفلاطون وأرسطو وبقراط وسقراط... كلّ أولئك من العظماء والعلماء الإلهيّين، وأبو علي سينا والفارابي والخواجة نصير الدين الطوسي وبهمنيار.. هؤلاء من كبار الفلاسفة وحكماء الإسلام، فقد كدحوا كثيراً، وقرّبوا الطرق ووضحوا السبل، وأثبتوا خصائص مدرسة التوحيد في العالم، وتحمّلوا المتاعب والمشّقات لأجل ذلك.
بالطبع، لم يكن هؤلاء معصومين، بل شأنه شأن أي علم؛ يأخذ الإنسان مقدّمة ويعتقد بها على أنّها فرضيّة، ثمّ يضيف عليها بعض المطالب فتتبدّل هذه الفرضية، ولا يرجع ذلك إلى مشكلةٍ في العلم، بل هو شأن الفرضيّات، وأمّا بالنسبة للأمور المسلّمة التي هي أعلى من الفرضيّة، فما قاله أفلاطون أو أرسطو أو بقراط أو سقراط أو أبو علي سينا أو بهمنيار، فهو ثابت حتّى يومنا هذا ولا يقبل النقض والبطلان، فهذا أحد المذاهب الموجودة.
مدرسة العرفان أعلى وأسمى من جميع المناهج
وهناك مدرسة أعلى وأرفع، تقول: إنّ مدرسة الفلسفة ليست باطلة، إلاّ أنّها مختصّة بالذهن، ومكانها العقل، وبواسطة هذه المدرسة يمكن للإنسان أن يعرف ربّه ولكن من بعيد، كالذي يكون في الأرض ويريد أن يرى الشمس بواسطة التلسكوب فيرى أمواجها والأملاح الكائنة عليها. فهو يرى، إلاّ أنّه هناك مسافة بعيدة تفصل الأرض عن الشمس. فمحلّ هذه المدرسة الفكر، وموطنها الذهن، والقرآن يقول: {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}۱ أي جادل هؤلاء الكفّار المشركين بالأسلوب الأحسن، فما هي المجادلة مع الكفّار والمشركين؟ هي ما يعمدُ إليه الإنسان من البراهين الفلسفيّة ليبطل مدّعاهم، فالنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وكذلك سائر الأئمّة إنّما كانت مدرستهم قائمة على فلسفة عجيبة وغريبة، وكلّ من له أدنى دراية بمرامهم، يلاحظُ كيف كانوا يعتمدون على المقدّمات الفلسفيّة لدحض مدّعى الخصم.
- مقطع من الآية ۱٢٥ من سورة النحل.
