
المناهج المختلفة حول مسألة معرفة الله
علام استندت معتقدات المنزِّهة والمشبِّهة في مسألة معرفة الله؟ وهل جانب معتقدهم الصواب؟ وماذا يرى منهج الاتحاد والحلول؟ وبأي شيء يُشكَل على مذاهب المعتزلة والأشاعرة؟ هل علم الفلسفة والحكمة كاف لمعرفة ذات الله؟ وماهو المنهج الأكمل للوصول الى معرفة الله؟ ومتى يصبح نور الله الظاهر مخفيا عنا؟ هذه بعض الأسئلة التي تعرض لها آية الله العلامة السيد محمد حسين الطهراني قدس الله سره في هذه المحاضرة الثالثة حول إمكانية معرفة الله ضمن سلسلة محاضرات شرح آية النور مستعرضاً المناهج المختلفة حول هذه المسالة، موضحاً الجواب الأمثل حول هذا الموضوع.
المناهج المختلفة حول مسألة معرفة الله
11وكلّ مدرسة تخالف الحس والوجدان والعقل هي مدرسة باطلة، لأنّ الله العليّ الأعلى قد خلق الإنسان ونظّمه وبناه على أصول بحيث أنّ جميع علوم الإنسان تتكئ على هذه الأصول وتبتني عليها. فلو أنكرنا العقل، ونفينا استحالة اجتماع النقيضين أو الضدين، ودحضنا الوجود؛ فسوف لا يبقى لدينا علم. لأن كلّ علم يفترض أنّه صحيح نريد أن نبطل نقيضه أو ضدّه بواسطته، فسوف يبطل هو كذلك، وتكون النتيجة أنّه ليس علماً.
لأجل ذلك، فلو أنكرنا الوجود والإختيار، وأنكرنا البديهيّات والضروريات الأولية ـ والحال أنّ جميع البراهين الفلسفيّة مبتنية على البديهيّات واليقينيّات والأوّليّات والحدسيات والمشاهدات، والتي هي من الثوابت ـ فسوف لا يبقى حجر على حجر، ولا يدوّن علم في عالم الوجود، ولا يتمّ نقل كلام أو تحليله من شخص لآخر، لأجل ذلك، يكون قولنا: لا أثر لاختيارنا، أو أنّنا مجبورون، أو أن الله ليس بمختار، أو أن الجبر حاصل سواء في الموجودات أم المبدأ، باطل.
هؤلاء أيضاً لم يعرفوا الله، فقد جلسوا في منزلهم، وقعدوا في خربة معتمة لا في منزل مضيء، وأرادوا أن يصدروا هُويّتين، واحدة لهم وأخرى لله سبحانه؛ ويا لها من هُويّة يصدرها عميان! فوصفوا أنفسهم بالعمى وبالجبر، وبما أنّ الله خالقهم، فقد ظنّوا أنّه أعمى كذلك، وأنّه مجبور لا حيلة له!! هكذا عرّفوا الله، وهذا أيضا غير صحيح.
إثبات التوحيد عن طريق الفكر والبرهان
ولو تجاوزنا عن ذلك، فبعضهم يقول: يجب على الإنسان أنْ يسرحَ ويفكّر في الموجودات ويقيم البراهين، ويضمّ المقدّمات إلى بعضها البعض لتكون الخلاصة هي معرفة الله، هذه هي مدرسة الإدراك، فيؤلفون بين المقدّمات الضروريّة المعلومة للإنسان ويركّبونها، ثمّ يعتمدون على النتيجة، ويحصلون على معرفة الله.
مثلاً نقول: هذا العالم موجود، وهذا العالم ليس موجوداً بذاته، بل هو حادث، وكلّ موجود غير قديم بذاته فهو حادث؛ إذاً، العالم حادث، وهو أحد أفراد تلك القاعدة الكليّة، فهو حادث، وكل حادث يحتاج إلى مُحدِث وموجِد، فيجب أن يكون هناك خالق لهذا العالم.
كما نقول: هذا الكتاب موجود من الموجودات، وأوراقه مرتّبة ومنسّقة ومخيطة باستحكام، وقد غلّفَ بغلاف أخضر اللون حتّى بدا لنا بهذا الشكل الذي ترونه؛ فلم يحدث ذلك من تلقاء نفسه، فالأوراق لا تصبحُ أوراقاً من تلقاء نفسها، فهل جاءت والتصقتْ بالورقة الأخرى؟! ثمّ ظهرت إبرةٌ وصارت تخيطها بالخيط واحدة تلو الأخرى، ثمّ جاءت قطعة من الكرتون الصلب والتصقت ثمّ جلّدت الكتاب بالمشمّع حتى صار الكتاب بهذا الشكل وبهذا القياس، ثمّ رقّمتها: واحد، واثنان، وخمسون، وستون، حسب هذا الترتيب؟! أم أنّه لا بدّ لنا من أن نذهب إلى الصحّاف الذي يجلّد الكتب ليجمّع الورق على هذه الهيئة ثمّ ليصفّها ويرتّبها.
