
هل معرفة الله ممكنة؟
هل يمكن للإنسان أن يعرف الله تعالى؟ كيف يمكن رؤية ذات الله ولقائه؟ وكيف يمكن أن نفهم الأخبار لدالة على عدم إمكانية وصول الفكر الى ذاك المقام؟ هذه بعض الأسئلة التي تعرض لها آية الله العلامة السيد محمد حسين الطهراني قدس الله سره في هذه المحاضرة الثانية حول إمكانية معرفة الله ضمن سلسلة محاضرات شرح آية النور مستعرضاً الآراء المتداولة حول هذه المسالة، موضحاً الجواب الأمثل حول هذا الموضوع.
هل معرفة الله ممكنة؟
14كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟! يقول الإمام سيّد الشهداء عليه السلام في تتمّة دعاء عرفة المنسوب إليه: كيف يمكن أن يتمّ الاستدلال على وجودك بواسطة موجودات محتاجة في وجودها إليك، يعني: أنّها كانت محتاجة في أصل وجودها، ثم أعطيتها الوجود بسبب ذلك الاحتياج الذاتيّ، فهذا الوجود قد نشأ وأخذ منك، وعندئذٍ كيف يمكنه أن يوصلها إليك والحال أنّه للوهلة الأولى وصوله معتمد عليك!
كيف يُستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟! وكيف يمكن لهذه الموجودات التي هي في أصل وجودها وفي كنه حقيقتها وفي ذات ومبدأ وجودها مرتبطة بك، وتأخذ منك أصل إفاضة وجودها في كلّ لحظة... أن تدلّنا عليك؟! والحال أنّ هذه الدلالة ليست قائمة بذاتها، بل هي بدلالتها هذه معتمدة عليك. إذن فأصل الدلالة والتعرّف عليك معتمد عليك، وأنت أسرعُ منها وسابقٌ لها، واضح؟!
أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك؟! هل هناك ظهور لغيرك دون أن تكون أنت الذي أظهرته؟ بأن يكون ظهوراً قائماً بذاته حتى يستطيع أن يظهرك؟ إذا كان الأمر كذلك بأن كان هناك ظهور غيرك يمكنه أن يوضّحك ويظهرك، فإنّ ظهور هذا الغير إنّما هو منك.
هذه الشمس الموجودة في العالم، وهذا المصباح الموجود في أيدينا نوره من الشمس، لا أنّه يضيء - بمقدار حجمه - بنور غير نور الشمس، عندها هل يمكننا أن نحمل المصباح بأيدينا نريد أن نبحث عن الشمس!! حسناً، لا يمكن أن تُرى الشمس من خلال نور المصباح، لكن على الأقل نسلّي أنفسنا ونقول: إنّنا بهذا المقدار من نور المصباح نبحث عن الشمس، بل ليس أيضاً بهذا المقدار؛ لأنّ نور المصباح إنّما هو من الشمس. إذن قبل أن ينير هذا المصباح كانت الشمس منيرة وقبل أن نحمل المصباح بأيدينا ونضيئه رأينا الشمس وعرفناها، وقبل أن يكون لهذا المصباح نور كان للشمس نور.
إذن كل موجود تريد أن تنظر إليه وإلى أيّ آية تريد أن تراها: السماء، الأرض، الإنسان، الحيوان... فإنّ الله كان قبلها، وكيف تعرف الله من خلال النظر إلى هذه الأمور؟! والحال أنّ النظر إلى هذه الأمور هو نظر ومشاهدة لما هو متأخّر، قبل هذه الأمور بحيث إنّك لو نظرت لرأيته أولاً، وإذا نظرت إلى هذه ثمّ رأيت الله بعد ذلك، فقد رأيت الله من مكان بعيد. ﴿أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾۱، هكذا يكون إله هؤلاء الناس.
- سورة فصلت (٤۱) الآية ٤٤.
