
التفسير الظاهري و المجازي لآية النور، و نقده
شرع العلامة الطهراني قدس سره في هذه المحاضرة بتفسير آية النور (الله نور السموات و الأرض) ، وبدأ بذكر التفسير الظاهري الذي تتبناه الوهابية ويميل إليه الأخباريون، و بيّن الإشكالات الواردة عليه، ثم تعرّض إلى التفسير المجازي لهذه الآية و نظائرها ، وبيّن الإشكالات الواردة عليه. وبعد أن تبيّن بطلان هذين المنهجين، طرح قدس سرّه نظرية وضع الألفاظ للمعاني العامة الكلية، و جعلها أساساً للفهم الصحيح لهذه الآية الكريمة ونظائرها.
التفسير الظاهري و المجازي لآية النور، و نقده
9ففي جميع هذه المراحل، ترون أن السراج الذي تشاهدونه الآن يختلف عن ذلك السراج، نعم! كانَ السراج الأوّل سراجَ الفتيل مع الزيت، بعد ذلك أصبح السراج نفطيّاً، وبعده أصبحَ غازيّاً، وكهربائيّاً، والحال أنّنا نطلق على الجميع لفظ السراج، والآن نحن نطلق على لفظ السراج الكهربائيّ لفظ السراج، ونلحظ نفس ذلك المعنى المستعمل فيه سابقاً، الذي كانوا يطلقونه على السراج الفتيلي مع الزيت، ولا نعمدُ إلى وضعِ لفظٍ آخر للسراج لهذا المعنى الجديد، وإنّما نقول: هو ذاك اللفظ غاية الأمر أنّ له شكل آخر، وهذا هو اللفظ العام.
في ذك الزمان الذي كانوا يستعملون لفظ السراج، لم يكن استعمالهم له بخصوص هذا الشيء ـ أي الوعاء الذي فيه زيت وفتيل ـ بل كانوا يطلقونه على ما يشابه ذلك، ويطلقونه على آخَرٍ، وآخر، وكلّ ما يوجد من هذه الأسرجة في هذه المدينة يطلقون عليه لفظ السراج، وكذا لو كان في مدينة أخرى، كذلك لو كان في هذا الزمان فإنّهم يسمّونه سراجاً، وكذلك لو كان في زمان آخر، فتكثّر المصاديق المختلفة وتعّددها لا يستوجب وضعَ لفظ السراج بأوضاع متعدّدة ومتفاوتة.
وكذلك من حيث أشكال السراج المختلفة، فإنّه لا يستدعي تعدّد الوضع، بل لفظ واحد يوضع لمعنى عام، دون أن يكون لفظ السراج مختصّاً بخصوص هذا أو ذاك أو غيره.. بل لفظ السراج قد وضعَ لذلك الشيء، وللآلة التي صنعوها ويشعُّ النور منها، فهذا نسمّيه سراجاً، سواء كانَ فتيلاً مع الزيت - الذي نطلق عليه لفظ السراج - فإنّه هو الشيء الذي يشعّ منه النور، أو كان نفطاً مع الفتيل أو كانَ فتيلاً ورغاءً وفقاقيعاً.. فجميع ذلك سراج لأنّه يشعّ منه النور، وكذلك لو كانَ غازاً أيضاً، فهو يشعّ منه النور، أو كان كهربائيّاً أيضاً، يشعّ النور منه، وهو في جميع موارده سراج، فالواضع عندما وضع اللفظ وضعه لهذا المعنى العام.
نحنُ مثّلنا لكم بهذا اللفظ ـ لفظ السراج ـ واعلموا أنّ جميع الألفاظ هي من هذا القبيل، لفظ النور كذلك، كذلك لفظ الإنسان، لأي شيءٍ وضع؟ لذلك الشخص الذي يتحرّك، وينمو، وله قوّة التغذية والقوّة الدافعة، ولديه عقل أيضاً، إذا وجد إنسان له رأسين يتكلّم بهما فهو ليس إنساناً؟ إذا كان عنده أربعة أرجلٍ ألا نسمّيه إنساناً؟ نسميه إنساناً ذا أربعة أقدام! أو إنساناً له رأسين، أو لو أتى الآن إنسان طوله خمسة أمتار، ألا نسميه إنسانا؟ بلى نسمّيه بالإنسان، حيث أنّه لم يوضع لفظ الإنسان لشخص له طول بمقدار مترين، ولم يوضع لشخص له رأس واحد وقدمين، وإنّما وُضعَ للشخص الذي لديه هذه الخصوصيّة، بأيّ شكلٍ كان، هل التفتّم لهذه النكتة؟!
