
التفسير الظاهري و المجازي لآية النور، و نقده
شرع العلامة الطهراني قدس سره في هذه المحاضرة بتفسير آية النور (الله نور السموات و الأرض) ، وبدأ بذكر التفسير الظاهري الذي تتبناه الوهابية ويميل إليه الأخباريون، و بيّن الإشكالات الواردة عليه، ثم تعرّض إلى التفسير المجازي لهذه الآية و نظائرها ، وبيّن الإشكالات الواردة عليه. وبعد أن تبيّن بطلان هذين المنهجين، طرح قدس سرّه نظرية وضع الألفاظ للمعاني العامة الكلية، و جعلها أساساً للفهم الصحيح لهذه الآية الكريمة ونظائرها.
التفسير الظاهري و المجازي لآية النور، و نقده
4وكذلك (وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً )۱ يفسّرونها بأنّ الله سوف يأتي يوم القيامة، وتأتي الملائكة أيضاً صفّاً صفّاً، كيف يأتي الله؟ يأتي على صورة إنسان، وله قدم، لأنّ المجيء يستدعي قدماً، ( وَجَاء رَبُّكَ) أي يأتي الله راجلاً على قدميه!! وكذلك الناس، يرونه بهاتين العينين الباصرتين بشكل تام.
وهكذا قوله تعالى: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ )٢ أي عرش الله، أي عرشُ الله وملكه وقدرته وكِبره وعظمته، فإن سعة ذلك السماوات والأرض، يعني: إنّ الله العليّ الأعلى الذي يجلس على ذلك الكرسيّ وعرش السلطنة.. كرسيّه كبير إلى الحدّ الذي استوعب جميع السماوات والأرض، والله يجلس على كرسيّ واسعٍ وتختٍ كبير إلى هذا الحدّ!
كذلك قوله تعالى: (وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً)٣ أي كلّ شخصٍ كانَ في هذه الدنيا أعمىً فهو في الآخرة كذلك، وطريقه ضالّ وتائه جدّاً، فمعنى ذلك هو أنّه: من حينِ عرضَ عليه العمي حيثُ كانَ رضيعاً، أو من حين الولادة، أو بسبب مرض الجدري، أو بسبب حادثٍ أو إِثرَ عمليّة جراحيّة.. كلّ أولئك حينما فقدوا هذه الباصرة، هم في الآخرة عميٌ أيضاً، وطريقهم ضالّ وهم ضالون.. هكذا يقول هؤلاء ـ والحال أنّ الآية ليست كذلك ـ .
والقسم الآخر الذين يجمدون على ظاهر آيات القرآن ويقولون: إنّ قوله تعالى (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يعني هو هذا النور، إلاّ أنّنا نعلم بأنّ الله ليس نوراً مادّياً، والمسلّم والواضح من سنّة النبيّ ومن أقوال الأئمّة الأطهار عليهم السلام أنّ ماهيّة الله ليست مندرجة تحت الوجود المادي أصلاً، فهو ليس بجسم، وهذا مسلّم، لا شبهة فيه، أمّا آية (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) فإنّها تعني: أنّ الله هو نور السماء والأرض، لذلك علينا أن نذعن بعدم فهمنا للآية، فنحن لا نفهم مغزى الآية. فـ (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) لها معنى خفيّ، وهؤلاء هم الأخباريّون، وهم كثيرون جدّاً بين علماء الإسلام.
والمراد من الأخباريين ـ مقابل الأصوليين ـ الأفراد الذين يكتفون بالظواهر، ولا يتجاوزن ذلك بوجه من الوجوه، فهم يقولون: إن آية (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) تعني: إنّ الله قد تربّع فوقَ كرسيّ السلطة، إلاّ أنّنا لا نعرف حقيقة هذه الكرسيّ، ولا نعرف نوعها، وبالتالي لا نعرف حقيقة معنى هذه الآية، كذلك لا نعرف مغزى قوله تعالى (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ )، ولا نفهم معنى (وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً )
- سورة الفجر (۸٩) الآية ٢٢.
- سورة البقرة (٢) الآية ٢٥٥.
- سورة الإسراء (۱۷) الآية ۷٢.
