
التفسير الظاهري و المجازي لآية النور، و نقده
شرع العلامة الطهراني قدس سره في هذه المحاضرة بتفسير آية النور (الله نور السموات و الأرض) ، وبدأ بذكر التفسير الظاهري الذي تتبناه الوهابية ويميل إليه الأخباريون، و بيّن الإشكالات الواردة عليه، ثم تعرّض إلى التفسير المجازي لهذه الآية و نظائرها ، وبيّن الإشكالات الواردة عليه. وبعد أن تبيّن بطلان هذين المنهجين، طرح قدس سرّه نظرية وضع الألفاظ للمعاني العامة الكلية، و جعلها أساساً للفهم الصحيح لهذه الآية الكريمة ونظائرها.
التفسير الظاهري و المجازي لآية النور، و نقده
11بناء على هذا التعريف، اتضّحَ أنّ الإخباريين قائلون: إنّ لفظ النور وُضعَ لمعنىً خاصّ، هل انتبهتم؟ فنحن نسمّي النور الذي ينشأ من النار نوراً، ونسمّي النور الذي يشعّ من القمر نوراً، والنور الذي يشعّ من الشمس والذي نعرفُ مدى تفاوته عن غيره ومع ذلك نسميّه نوراً، ونسمّي نور النجم نوراً، ونور البرق نسمّيه نوراً، وحينما نضرب حجارة النار (الصوان) نقول: قدْ تولّدَ منها نورٌ، ألا نقول ذلك؟! وفي الليالي تظهر النجوم وتفترش في السماء، فنقول: جاء النور، فمن جهة نقول أيضاً: يا للعجب!! زيد لديه نورٌ جيّد، فهو نورانيّ، لديه نور يتلألأ، عجيب كيف وجهه نيّرٌ! واقعاً نقول: زيدٌ ذو نور، يعني يكون وجه زيد واقعاً يسطع بالنور، والحال أنّه لا يوجد نور حقيقيّ، إلاّ أنّنا نسمّيه نورا.
فلفظ النور لم يوضع لذاك النور السابق، أي للشيء الذي ينبعثُ النور منه.. وإنّما هو شامل لكلّ نور، فالعقل نور، والحياة نور أيضاً، والعلم نور، فـ العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء فالعلم نور، ولفظ النور الذي نستعمله في المصاديق المختلفة ليس من باب تعدّد الوضع! وإنّما هو وضعٌ لغويّ واحد، فكلمة النور وضعتْ لمعنى واحد، واقترن ذاك المعنى بلفظ النور وأُلحقَ بها، سواء كان نوراً مادّياً أم معنويّاً، فهو يستعمل في الجميع على السواء، دون أيّ عناية خارجيّة.
معنى النور الظاهر بنفسه المظهر لغيره
فلأيّ معنىً وُضعَ معنى النور؟ نريد أنْ نرى لفظ النور لأيّ شيء قد وضع؟ نجدُ أنّه وضع لكلّ شيء ظاهرٍ في حدّ نفسه ومظهر لغير، هذا هو الذي نسميّه "النور".
والآن هذا النور الموجود في فضاء المسجد، ما هو الشيء الذي يُظهرُ هذا النور؟ لا شيء، بل نفس نور ذاته هو الظاهر، وجميع موجودات المسجد وأشيائه ظاهرة به، فمكبّر الصوت هذا، ووعاء الماء، وهذا السجّاد في المسجد.. جميع هذه الأشياء ظاهرة، بأيّ شيء ظاهرة؟ بالنور، فلو لم يكن هناك نورٌ هل نكون ظاهرين؟! لو يُطفئون هذه اللمبات الآن فهل يمكننا أن نميّز الورود الموجودة في السجاد؟! هل يمكننا أنْ نميّز عباءة آقاي ... البنية عن عباءة آقاي ... السوداء؟! أبداً، لا يوجد أي لون، أصلاً لا يمكننا أنْ نميّز الرفقاء عن بعضهم، ولا نعرف الصديق من العدو، ولا نشخّص العامود من الحائط، لا نميّز شيئاً عن شيء، فجاء النور وأوضحَ الاختلاف الكائن بين الموجودات، أمّا نفس النور، فلا يحتاج إلى شيء كي يبيّنه، فنفس النور نور، وجميع الأشياء في هذا المسجد تصبحُ واضحة بالنور، أمّا نفس النور فهو بذاته جليّ واضح، حينئذٍ، فما هو الشيء الذي أضاءَهُ النورُ؟ فذاته جليّة بيّنة، فإذاً النور هو الشيء الظاهر في حدّ نفسه والمُظهرِ لغيره.
