
التفسير الظاهري و المجازي لآية النور، و نقده
شرع العلامة الطهراني قدس سره في هذه المحاضرة بتفسير آية النور (الله نور السموات و الأرض) ، وبدأ بذكر التفسير الظاهري الذي تتبناه الوهابية ويميل إليه الأخباريون، و بيّن الإشكالات الواردة عليه، ثم تعرّض إلى التفسير المجازي لهذه الآية و نظائرها ، وبيّن الإشكالات الواردة عليه. وبعد أن تبيّن بطلان هذين المنهجين، طرح قدس سرّه نظرية وضع الألفاظ للمعاني العامة الكلية، و جعلها أساساً للفهم الصحيح لهذه الآية الكريمة ونظائرها.
التفسير الظاهري و المجازي لآية النور، و نقده
10كلمة المجيء بمعنى الإتيان، والإتيان يعني: التقرّب التدريجي، فإذا أراد إنسانٌ أنْ يأتي بشكلٍ تدريجيّ نحو إنسان آخر، سوف يكون قد اقترب منه وذلك لأنّ قدميه قد تحرّكتا، خطوة بعد خطوة، فنقول: جاء.. جاء زيد.. مجيء زيد على قدميه، وأمّا إذا أردنا أن نقول: جاء الثلج، فالثلج لا يمشي ويتحرّك! كذلك قولنا: جاء السحاب، أو جاء المطر، هل للمطر أقدام؟! جاء الثلج، جاء البرد، جاء الحر، جميع هذه الألفاظ التي نستعملها لا يتغيّر معناها، بل المعنى واضح، فإذاً، المجيء هو الدنو والاقتراب التدريجي.
( جَاء رَبُّكَ ) لا تعني أنّ لله قدماً! بل تعني أنّ الله يتقرّب إلى الأشياء تدريجيّاً.. يبتعد تدريجياً.. قليلاً قليلاً.. شيئاً فشيئاً.. ويظهرُ للأشياء.. هذا هو معنى مجيء الله، فلماذا نؤوّل معنى ( جَاء رَبُّكَ ) بـ جاء أمر ربّك؟! بل الحقيقة هي أنّ الله يأتي بذاته، ولكن المجيء هو القرب التراتبيّ والتدريجيّ، حينها تبلغُ الفيوضات الإلهيّة مرحلتها الفعليّة لدى الإنسان.
كذلك العرش، فهو بمعنى مكان الحكم ومقرّه، فالمتعارف أن الملِك حينما يريد أن يحكم بشيء يجلس على العرش؛ وعندما ينزل من أعلى العرش لا يحكم بشيء، وأمّا عندما يجلس على العرش: افعل هذا الأمر! افعل ذلك الأمر! وكأنّ قدرة كلامه ونفوذه وسلطته منحصرة بظرف جلوسه على العرش، ولله عرشٌ أيضاً، فما هو عرش الله؟ هو عالم المشيئة، أي إرادته واختياره، وبما أنّ عرش الله هو نفس وجوده وحاقّ وجوده، فإنّه يحكمُ الموجودات من جهة مشيّته ونفوذ إرادته عليهم؛ وبذلك يتّضح معنى عرش الله. لذلك فإنّ للعرش معنى عام، وكما يستعمل في هذا فإنّه يستعمل في ذاك المعنى أيضاً.
واليد تعني تلك الآلة الموجودة في الإنسان والتي بواسطتها يدير أموره وينجز مهمّاته، وهو ما نطلق عليه اسم اليد، فنقول: يدُ الغنم، يدُ..، لذلك فإنّ الشخص العاجز، هو الذي ليس لديه آلة ووسيلة ليقضي بها أموره، فنقول: فلانٌ لا يدَ له، والحال أنّه يمتلك يداً، إلاّ أنّه لا يقدر على فعل شيء، فنقول: عجيب! ليس له يد!! فـ (يَدُ اللَّهِ) تعني: قدرة الله، أي ذاك المقام الذي هو محلّ بروز القدرة وظهورها هو يد الله، (وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) تعني: أنّ السماوات ملفوفة ومندكّة في قدرة الله.. قدرة الله.. يد الله.. أصلاً، هل لله يدٌ كالتي عندنا ذات أصابع وأنامل؟!! فلا نلتزم بأنّ الآية القرآنيّة تريد إثبات ذلك.
