
المراقبة والتزكية و المواظبة في السير و السلوك
محاضرة ألقاها سماحة العلامة الحاج السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني قدس الله نفسه الزكية في مشهد في الثالث من شوال سنة ألف و أربعمائة وإحدى عشرة هجرية، وهي تشتمل على حقيقة المراقبة وأهميتها للسالك، وضرورة تطبيقها على نفسه بترك الكلام ومخالطة الناس، وأن من يترك العمل سيكون مصيره الخسران والضياع، وأن السبب في وصول طلاب المرحوم السيد علي القاضي قدس سره إلى المراتب العالية هو العمل والمثابرة.
المراقبة والتزكية و المواظبة في السير و السلوك
8إنّ الصمت يجمع أفكار الإنسان ويُمركزها، أمّا الكلام فيشتّتها، وهذان طريقان متعاكسان، فمن باب المثال: لو أراد الإنسان أن يتجّه ناحية المشرق فعليه أن يختار السكوت، أمّا لو لم يختر السكوت فكأنّه قد تحرّك باتّجاه المغرب.
حينما يسكت الانسان تتمركز أفكاره في نفسه؛ فيتجمّع شيئًا فشيئًا ذلك الهدف والمطلوب الذي يظهر في الإنسان بصورٍ متفرّقةٍ ومتكسّرةٍ وكثيرةٍ، فبسبب طمأنينة النفس الحاصلة من الصمت ستزول تلك التكسّرات والأمواج؛ وسوف يُشاهد الإنسان النفس، وبأنّ هذا الماء الذي في النفس قد هدأ وركد وصمت، وسوف تزهر فيه صورة القمر والشمس.
أمّا إذا لم يراع الإنسان الصمت، وألقى ببصره إلى كلّ مكان، وفتح فمه بالكلام في كلّ شيء، وأوصل من خلال نافذة أذنه كلّ كلام يطرق سمْعه، فإنّ هذا الذهن سيبقى متفرّقًا ومشتّتًا في هذا العالم، ينظر إلى تجلّيات الله في كلّ موجودٍ، إلّا أنّه أعمى لا يراها، بل يراها بشكلٍ متكسّرٍ وممتزجٍ {يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ}۱. ويبقى إلى آخر عمره يعيش في حالة التفرّق هذه، ويستمتع باسم السلوك والعرفان وحسب! ولن يكتسب شيئًا وسيرتحل مُتحسّرًا؛ لأن نفسه لم تتقدّم خطوةً في سبيل التكامل، وقد اكتفى باللفظ بدلًا من العمل، وبسماع لفظ العسل والحلوى وحفظهما بدلًا من أكْلهما، والاكتفاء بأخذ نسخة العلاج عند الرجوع إلى الطبيب ووضعها في الجيب بدلًا من الرقود في المستشفى وتلقّي العلاج هناك، وعدم الوصول إلى أيّ مكانٍ؛ بل لن يقتصر الأمر على عدم الوصول إلى أيّ مكان وإنّما ستكون العقبات التي ستعترض الإنسان خطيرةً وليست مزحةً!
في مرّةٍ من المرّات قُلتُ لنفسي: مثلًا إنّ هذه الآيات القرآنيّة تُهدّد بالعذاب، فهل واقعًا سيعذّب الله العليّ الأعلى هذا المقدار من البشر، وسيُفنيهم ويخلّدهم في جهنّم؟! ثمّ تبيّن فيما بعد أنّ هذا المقدار الذي بيّنه قليلٌ أصلًا! ولقد أشار الأنبياء والأولياء والأئمّة والقرآن إلى هذه المسائل إشارةً، ولكنّ المسائل أعلى بكثير من ذلك!
وحقّاً ما يقوله رسول الله: «نَحنُ مَعاشِرَ الأنبياءِ اُمِرنا أن نُكلِّمَ النّاسَ عَلَی قَدرِ عُقولِهِم»٢، أي: إنّنا مأمورون أنْ نُبيّن للنّاس على قدر مدركاتهم وفهمهم، ولا يمكننا أنْ نتكلّم أكثر ذلك.
- سورة يوسف (۱٢)، الآية ٣٩.
- جاء في هامش كتاب معرفة المعاد، ج ٤، ص ۸٥، ما يلي:«أصول الكافي» ج ۱، ص ٢٣؛ و«روضة الكافي»، ج ۸، ص ٢٦۸. وأورده في «تحف العقول» ص ٣٦، وفي «بحار الأنوار» الطبعة الكمباني، المجلّد ۱۷ (الروضة)، ص ٤۱ والمجلّد ۷۷، ص ۱٤۰ من الطبعة الحروفيّة، عن «تحف العقول» بلفظ: قالَ رَسولُ اللَه صَلَّى اللَهُ عَلَیهِ وآلهِ وسَلَّمَ: «إنّا مَعاشِرَ الأنبياءِ أُمِرنا أن نُكلِّمَ النّاسَ عَلَى قَدرِ عُقولِهِم». وروى البرقيّ في «المحاسن» ص ۱٦٥ بسنده عن سليمان بن جعفر بن إبراهيم الجعفريّ مرفوعًا، قال: قالَ رَسولُ اللَهِ صَلَّى اللَهُ عَلَیهِ وآلهِ وسَلَّمَ: «إنّا مَعاشِرَ الأنبياءِ نُكلِّمُ النّاسَ عَلَى قَدرِ عُقولِهِم».
