
المراقبة والتزكية و المواظبة في السير و السلوك
محاضرة ألقاها سماحة العلامة الحاج السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني قدس الله نفسه الزكية في مشهد في الثالث من شوال سنة ألف و أربعمائة وإحدى عشرة هجرية، وهي تشتمل على حقيقة المراقبة وأهميتها للسالك، وضرورة تطبيقها على نفسه بترك الكلام ومخالطة الناس، وأن من يترك العمل سيكون مصيره الخسران والضياع، وأن السبب في وصول طلاب المرحوم السيد علي القاضي قدس سره إلى المراتب العالية هو العمل والمثابرة.
المراقبة والتزكية و المواظبة في السير و السلوك
4ينبغي على السالك أن لا يتكلّم، فعليه أن لا يقول مثلًا: فلأجلس أنا ورفيقي، ولنتحدّث نحن الاثنان عن هذا الأمر وذاك الأمر، وعن الأرض والسماء والشرق والغرب والسياسة ومن هنا ومن هناك، وبما أنّنا رفيقان نمتلك نهجًا واحدًا ومسلكًا واحدًا، فإذن لا ضرر في ذلك، لا أبدًا! بل مُضرٌّ جدّاً! فهذا يُسقط السالك سقوطًا تامّاً ويُفْنيه من حيث لا يَشعُر!
كان آية الله الحاجّ الشيخ محمّد تقي بهجت الفومني (وهو الآن بحمد الله على قيد الحياة ويسكن في قم المقدّسة)۱ من تلامذة المرحوم القاضي، وكان له في فترة شبابه حجرةً في مدرسة «السيّد» ـ والظاهر أنه سكن في تلك المدرسة سبع سنين ـ وقد اشتغل فيها بالمراقبة والصمت إلى درجةِ أن طلاب تلك المدرسة لم يكونوا يرونه!
كان الحاج الشيخ عباس القوچاني رحمة الله عليه ـ الذي ارتحل الى العالم الأبدي قبل سنةٍ وعدّة أشهر٢ ـ يقول: كان لي وللشيخ بهجت لكلّ منّا حجرة في مدرسة «السيّد»، وعندما تشرّف الشيخ محمّد تقي بهجت في محضر المرحوم القاضي ـ رحمة الله عليه ـ وأخذ منه الدستورات والبرامج، كان كلّما أراد أن يخرج للدرس ويرجع إلى المدرسة، وضع العباءة على رأسه؛ حتّى لا يتعامل معه أحدٌ في الشارع أصلًا، ولا يكلّمه ولا يشغله بالحديث والسلام.
وكانوا يقولون أيضًا: لقد كانت مراقبته شديدةً إلى درجة أنّه إذا أراد الرجوع إلى المدرسة والدخول إلى حُجْرته، كان يدخل من باب الدهْليز المسقوف الواقع خلف المدرسة بواسطة سُلّمٍ يوصِل إلى الغرفة العُلويّة، ولم يكن يدخل من صحْن المدرسة لكي لا يلتقي بأحدٍ، ولم يكن هذا الأمر ليومٍ أو يومين، بل كان ديدنه طوال سبع سنواتٍ كاملةٍ! وبالطبع سيحصّل ثمرات ذلك ونتائجه في نفسه.
وفي هذه السنوات الأخيرة في طهران، التقيتُ في يومٍ من الأيّام بأحد العلماء الذين كانت تربطني بهم علاقةٌ قديمةٌ، وكان من علماء تبريز الذين سكنوا في طهران، وكان له منصبٌ ومسؤوليّةٌ، وبالطبع كان على اطلاعٍ كاملٍ بعلاقتنا بالعلّامة الطباطبائي، فقال لي شاكيًا سماحة العلّامة [الطباطبائي]: رغم أنّنا من بلدٍ واحدٍ، وكان كلانا يدرس في النجف، إلّا أنّ العلّامة [الطباطبائي] وأخيه لم يُفسْحا المجال لنا للارتباط والتواصل معهما، وكانا يُطأطئان رأسيهما دائمًا، فلم يكونا لينظرا إلى هذا الجانب أو ذاك الجانب إذا أرادا الذهاب إلى الدرس أو العودة منه والعبور داخل السوق، بل كانا ينظران إلى الأسفل، وكأنّنا لسنا بشرًا أصلًا.
- توفي سماحة الشيخ محمّد تقي بهجت، عصر يوم الأحد الموافق لـ ٢٢ جمادي الأوّل من عام ۱٤٣۰ هـ في مدينة قم ، وكان على قيد الحياة عند إلقاء هذه المحاضرة. (م)
- توفي سماحة الشيخ عبّاس هاتف القوجاني في ٢٣ شعبان ۱٤۱۰هـ، ودفن في النجف الأشرف. (م)
