
المراقبة والتزكية و المواظبة في السير و السلوك
محاضرة ألقاها سماحة العلامة الحاج السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني قدس الله نفسه الزكية في مشهد في الثالث من شوال سنة ألف و أربعمائة وإحدى عشرة هجرية، وهي تشتمل على حقيقة المراقبة وأهميتها للسالك، وضرورة تطبيقها على نفسه بترك الكلام ومخالطة الناس، وأن من يترك العمل سيكون مصيره الخسران والضياع، وأن السبب في وصول طلاب المرحوم السيد علي القاضي قدس سره إلى المراتب العالية هو العمل والمثابرة.
المراقبة والتزكية و المواظبة في السير و السلوك
3كان المرحوم القاضي ـ رحمة الله عليه ـ يأمر تلامذته بأن لا يتناولوا الطعام للتفكُّه!
وفي إحدى المرّات كان قد أعطى آية الله الخوئي ـ أبقاه الله إن شاء الله۱ ـ برنامجًا سلوكيًّا (لأنّه كان يأخذ برنامجًا سلوكيًّا من السيّد القاضي مدّةً من الزمن)، فقال له: لا تأكل الطعام تفكّها وتفنّنًا! وقد فكّر: أنّه ما العمل الآن؟ ففي النهاية لا بدّ أن نأكل الطعام ونأكل الأرز والمرَق، ومن أجل عدم تناول الطعام بهدف التفكّه والتفنّن في الأصناف، علينا أن نأكل الأرز والمرق كلّاً على حِدَةٍ؛ فنكون بذلك قد قوّينا أبداننا من جهةٍ وخففّنا جانب التفكّه والتلذّذ وأمثال ذلك من جهة أخرى.
وبالطبع إنَّ الإفراط في هذه المسألة غير جيّدٍ أيضًا، فإنّه: «خّيرُ الأمور أوسَطُها»٢.
وقد أوصى الأولياء أن يأكل الإنسان اللّحم مرّتين أو ثلاث مرّات في الأسبوع، وليس من الجيّد تناوله أكثر من ذلك، لأنّ ذلك يُجهد فكر الإنسان فلا يقوى على العمل، وحينما يتعب الفكر تتعب الروح، وبذلك سيبقى في مكانه، فيتعطّل السيف الذي يجب أن يُستعمل في سبيل الله ويهوي أرضًا ويصدأ ويضعُف شيئًا فشيئًا؛ وحينئذٍ سيتبدّل ذلك السيف القاطع إلى قطعة حديدٍ صدئةٍ لا فائدة منها.
ثانيًا: الرياضة الروحيّة
ثانيًا: وهو الأهم من ذلك كلّه، الرياضة الروحيّة، بحيث تكون نفس الإنسان وروحه طوع أمره، فيَسُوسُها ويؤدّبها، كي لا تدخله في أيّ صراطٍ! ولا يدخل نفسه في كلّ المشتهيات النفسانيّة، فالمجالس والمحافل والثرثرة والكلام الكثير جميعها مضرّةٌ، وتهوي بالإنسان وتسقطه تمامًا، وكذلك السياحة والأسفار التي ليست في مكانها تُتعب الإنسان.
كان المرحوم القاضي يقول (وكذلك سائر الأعاظم): إنّ السفر مضرٌّ للسالك من الأساس، ويجب أن يُكتفى بالحدّ الأدنى والضروريّ منه؛ وإلّا فإنّه سوف يفقد في تلك المدّة التي يُسافر فيها سكونه وطمأنينته شاء أم أبى، مضافًا إلى أنّه لن يكتسب شيئًا في فترة سفره، ولن يتقدّم ويتكامل، وحينما يرجع من سفره يجب أن يبذل جهدًا جديدًا مدّةً من الزمن حتى يُرجِع تلك الحالات التي فقدها.
ثالثاً: الصمت
الثالث: الصمت وعدم التكلّم بكلامٍ زائدٍ لا فائدةَ منه، بل إنّ تجنّب الكلام العادي أيضًا هو من الدساتير السلوكيّة الحتميّة للسالك.
- ألقيت هذه المحاضرة في زمان حياة السيّد أبو القاسم الخوئي رحمه الله. (م)
- الكافي، ج ۱، ص ٥٤۰.
